فنـــون عــربية


الآلات الموسيقية الغربية في تراث محمد عبد الوهاب


المايســترو ســـليــم ســـحاب
قائد اوركسترا وناقد وباحث ومؤرخ موسيقي - لبنان



تشكل سنة 1869 منعطفاً تاريخياً هاماً في تاريخ تطور الموسيقى المصرية وبالتالي العربية. ففي هذه السنة تم افتتاح قناة السويس بعد عشر سنين من العمل في حفرها (1859-1869) واشترك في هذا العمل خُمس تعداد مصر في ذلك الوقت (مليون مواطن من أصل خمسة ملايين)، وفقد حياته في أثناء حفرها مائة وعشرون ألف عامل. وحضر افتتاح القناة العديد من الشخصيات الأوروبية كان أهمهم إمبراطورة فرنسا أوجيني  زوجة إمبراطور فرنسا نابوليون الثالث ابن أخ الإمبراطور الذي أخضع أوروبا في زمنه (نابليون بونابرت). وسبب عدم حضور الإمبراطور نفسه حفلة افتتاح القناة وإنابته لزوجته للقيام بهذه المهمة كان حالة التحضير للحرب التي كانت أجواؤها مسيطرة على أوروبا آنذاك والتي قامت سنة 1870 (أي السنة التالية لافتتاح القناة) والتي خسرتها فرنسا حيث اجتاحتها الجيوش البروسية – الألمانية ووصلت إلى باريس وألحقت بفرنسا هزيمة كبرى، وأنهت حكم نابليون الثالث.

ما يهمنا من كل ذلك هو أنه على هامش افتتاح قناة السويس احتفلت مصر بافتتاح دار الأوبرا التي استمرت في مكانها (في بداية نفق الأزهر – صلاح سالم حالياً) لغاية احتراقها في ظروف غامضة سنة 1971. وكان لوجود دار الأوبرا هذه الأثر العظيم في تطور الموسيقى في مصر وانفتاح الموسيقى فيها على الموسيقى الأوروبية وتأثرها بها تأثراً خلاقاً على يد الملحنين الذين شكلوا في بداية القرن العشرين المدرسة الموسيقية الكلاسيكية الأولى. ولكن لماذا انتظر هذا التأثير (تأثير الموسيقى الأوروبية على الموسيقى المصرية) لغاية الربع الأول من القرن العشرين لتظهر معالمه في الموسيقى المصرية ؟ بكلام آخر لماذا لم يظهر هذا التأثير في نتاج كبار ملحني القرن التاسع عشر عبده الحامولي ومحمد عثمان الذين توفيا في بداية القرن العشرين: محمد عثمان (1900) عبده الحامولي (1901) أي أكثر من ثلاثين سنة بعد الافتتاح ؟ لهذا سبب وجيه ومنطقي. فعند افتتاح دار الأوبرا وبداية نشاطها الموسيقي في مصر (1869) كان الحامولي وعثمان في أوج عطائهما الفني، أي أن شخصيتهما الفنية كانت مكتملة وغير قابلة للتأثر أو التغيير، لذلك لم يظهر هذا التأثير إلا في الجيل الذي جاء بعد زعماء مدرسة القرن التاسع عشر لسبب وجيه ومنطقي أيضاً وهو أن ممثلي هذه المدرسة الجديدة عايشوا نشاط دار الأوبرا منذ صغرهم وبالتالي كان تأثرهم بعطائها منطقي.

وكان تأثير دار الأوبرا التي كانت تستقدم الفرق الأوروبية لتقديم أجمل وأحدث الأوبرات الغنائية والأوركسترات السيمفونية، كان تأثيرها يصب في ثلاث قنوات: التأثر بالغناء الأوبرالي، التأثر بطريقة التلحين الدرامي الكبير، والتأثر بأصوات الآلات الوافدة المستعملة في الأوركسترات، هذه الآلات وأصواتها كانت جديدة على أذن الملحنين المصريين، فكان تأثرهم بها كبيراً.

ثلاثة من كبار ملحني بداية القرن العشرين تأثروا بوجود الأوبرا في الحياة الثقافية المصرية: سيد درويش، محمد القصبجي (الاثنان ولدا سنة 1892)، ومحمد عبد الوهاب (1898 ؟). كان الأثر الأكبر للأوبرا على سيد درويش في أعماله الدرامية (أو ما يسمى بالأوبريتات) حيث أدخل التأليف الدرامي (الذي شربه من خلال حضوره لكل عروض دار الأوبرا) إلى كل أعماله الدرامية في الأوبريتات الثلاثين التي لحنها بالكامل أو شارك في تلحينها. وتأثراته هذه وضعتها في دراسة مستقلة لا مجال لاستعادتها هنا. وكان تأثره أيضاً بالأوبرا من خلال استعماله الغناء الدرامي والتعبير الدرامي اللذين أدخلهما على أعماله الغنائية. كذلك كان تأثره باستعمال آلات موسيقية لم تكن تستخدم في الفرق الموسيقية في مصر، ومن هذه الآلات نذكر الفيولونسيل (التشيللو) والبيانو وغيرها. وإذا كان دخول التشيللو إلى الفرق المصرية إلى جانب الكمان سلساً لا يستدعي المقاومة الوجدانية وذلك لاستطاعة هذه الآلات نطق المقامات العربية بين يدي عازف حساس ومتمرس، فاستعماله للبيانو كان وما زال موضع نقاش وذلك لاستعماله هذه الآلة المعدلة بشكل مطلق (أي عدم استطاعتها نطق الحروف الموسيقية إلا بمسافات أنصاف الأصوات) في مصاحبة وعزف الأعمال الموسيقية من مقامات عربية ذوات أرباع الأصوات مثل أغنيته المعروفة على مقام البياتي «البحر بيضحك ليه».

تأثر محمد القصبجي بالموسيقى الأوبرالية جاء عبر قناة الغناء والتلحين، وقد كتبنا في هذا الموضوع دراسات عديدة نشرت إحداها على صفحات شؤون عربية في عدد سابق. لكنه لم يقع تحت تأثير الألوان الصوتية المتعددة التي تعطيها الأوركسترا السيمفوني.

نصل إلى محمد عبد الوهاب الذي إلى جانب تأثره بعروض الأوبرا وبالموسيقى الكلاسيكية الكبيرة بـ (بيتهوفن وبرامز وموتسارت وغيرهم) الذي تعرف من خلالهم على التأليف البوليفوني والدرامي الآلي (من غير غناء) كسيد درويش ومحمد القصبجي، فقد سبق محمد عبد الوهاب درويش والقصبجي بتأثره بآلات الموسيقى الأوروبية واستعمالها الواحدة تلو الأخرى على مدى سنين حياته الموسيقية حتى أصبح استعمال هذه الآلات من ضرورات التوزيع الموسيقي الكبير في الموسيقى العربية الحالية. ودراستنا هذه ستتناول علاقة محمد عبد الوهاب بهذه الآلات واستعمالها بشكل خلاق يبرز شخصية هذه الآلة في النسيج الموسيقي التي تستعمل فيه. كان استعماله لهذه الآلات ليس لمجرد الاستعمال بل لحاجته في النسيج الموسيقي لصوت وشخصية هذه الآلة في جملة معينة من العمل.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter