دراسات


روسيا في المنطقة العربية: طموح استراتيجي ومصالح جيوسياسية


شريف شعبان مبروك
باحث في الشؤون السياسية



لا يمكن فصل الرؤية الروسية لسوريا عن رؤيتها الأوسع للمنطقة العربية وللشرق الأوسط ولدورها العالمي، والطموح الروسي لإعادة تعريف القوة الروسية ولعبها دور القطب المنافس أو الموازن للولايات المتحدة، فالساسة الروس ينظرون إلى الشرق الأوسط من منظورٍ استراتيجي لكن هذه النظرة لم تأخذ طريقها للظهور بشكل واضح عقب انهيار الاتحاد السوفيتي نتيجة حالة الفوضى الداخلية وفي دول الجوار الروسي، وبعد ترسيخ القبضة على الدولة والمجتمع في روسيا، ومن ثم التدخل الواضح في دول الجوار الروسي، وصولاً لترسيخ استراتيجية التوسع لتصل إلى الشرق الأوسط.

وقد بدأت مظاهر التدخل الروسي في المنطقة من خلال دعم البرنامج النووي الإيراني، وتبني مقاربة تجعل من إيران حليفاً لروسيا في المنطقة لما تتمتع به من موقع جيوسياسي، فهي تطل على القوقاز وعلى الخليج العربي وعلى آسيا الوسطى هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن إيران تشكل بالنسبة للمنطقة فزاعة يمكن لروسيا من خلالها التأثير على دول المنطقة وعلى الغرب على حدٍ سواء بغية تحصيل مكاسب تكتيكية مرحلية أو استراتيجية تعيد بلورة دورٍ إمبراطوري روسي.

استند هذا الدور الإمبراطوري الروسي على تعزيز مظاهر تحدي العالم في المناطق الرخوة ومناطق الأزمات (جورجيا – أوكرانيا – القرم – سوريا) مدفوعة بعقلية كولنيالية إمبراطورية تستند إلى مرتكزات أيديولوجية دينية، وقد ظهر التأثير الديني (الأرثوذكسي) في الأدوار التي لعبتها الكنيسة الروسية في أزمات الجوار الروسي بصورٍ متدرجة (البوسنة والهرسك – جورجيا – سوريا)، ولا يمكن للمتابع للأحداث الروسية نفي تزايد تأثير الكنيسة في الحياة السياسية الداخلية في روسيا وتزايد استخدام الساسة الروس للخطاب الديني على المستوى الداخلي وفي بعض الأحيان على مستوى السياسة الخارجية.([1])

ومع أن روسيا تنظر إلى المنطقة العربية والشرق الأوسط ككل عبر المدخل التاريخي الثيوقراطي إلا أنها في الوقت نفسه تتجاهل حقائق تاريخ المنطقة، فمرارة سقوط (القسطنطينية) إسطنبول وما تلاها من حروب روسية – عثمانية بعد تنصيب روسيا لنفسها أواخر القرن السادس عشر وريثة الكنيسة الأرثوذكسية الأمر الذي يبدو أنه يتكرر في خطاب الدولة الروسية ومسؤوليها الرسميين والدينيين.



(1) رائد جبر، لماذا «تُكرِّر» روسيا في سوريا السيناريو الأوكراني، صحيفة الحياة اللندنية، 14 سبتمبر 2015.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter