المــلــف السيــاسي


الدور الأمريكي الملتبس بالمنطقة كما تعكسه أزمة العلاقات السعودية الإيرانية


غـــازي دحــمــان
كــاتب ســـوري



سلّطت أزمة العلاقات السعودية- الإيرانية، مؤخراً، الضوء على طبيعة السياسات الأمريكية في المنطقة والتي يمكن وصفها بالملتبسة والغامضة حسب ما تكشفه تكتيكات إدارة الرئيس باراك أوباما في التعاطي مع أزمات المنطقة والمنهج الذي تتبعه في إدارتها، وإذا كانت مجمل التفسيرات النظرية لهذه الظاهرة ترجع أسباب هذا التغير إلى سياق السياسة الانسحابية التي تمارسها إدارة أوباما من المنطقة كنتيجة منطقية لتركز مصالحها في منطقة المحيط الهادي وجنوب شرق أسيا وتوفر بدائل أمريكية محلّية للنفط العربي، إلا أن إشكالية هذا التفسير عدم قدرته على شرح الأسباب التي تجعل السياسات الأمريكية تتجه إلى تفخيخ النظام الإقليمي الشرق أوسطي بجملة من الأزمات التي من شأن تراكمها تهديد منظومة الأمن العالمية وشبكة المصالح الدولية نظراً لحجم الترابط والتعقيد في تلك  المصالح.

تشخيص الإشكالية

تذهب الذرائع التبريرية الأمريكية إلى اعتبار أن أزمة الشرق الأوسط أزمة سياسات غير رشيدة أو عقلانية، وهي نتيجة سيادة نمط من الصراعات التاريخية والثأرية التي تخرج عن قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على ضبطها وإدارتها، كما أن جزءًا من أسباب أزمات الشرق الأوسط ذو طبيعة داخلية له علاقة بأزمات بنيوية راكمتها الأنظمة الحاكمة على مر عقود طويلة وهي أيضا نتاج ثقافة تاريخية غير قابلة للتطور والاندماج بعصر العولمة، والمقصود بذلك وبدرجة كبيرة الجانب العربي، في حين ذهبت الدعاية الأمريكية لتبرير تحوّلاتها، إلى أن إيران لديها ممكنات أكثر قابلية للتطور والاندماج والتغيير، سواء كان على صعيد الثقافة الشيعية المنفتحة بدرجة أكبر من نظيرتها السنية أو على صعيد الخبرة السياسية والاقتصادية لدى الدولة الإيرانية، وقد تم تلخيص المشكلة في إيران على أنها مشكلة تيار متشدد يمسك بزمام الحكم وأن على أميركا في سبيل كسب الرهان في إيران مساعدتها عبر رحلة طويلة الأمد للتحوّل نحو الاعتدال، أما أثمان هذا التحوّل فلا بأس أن يدفع جزءًا منها النظام الإقليمي العربي المتهالك أصلاً وشركاء الولايات لمتحدة الأمريكية في الخليج العربي.

ينعقد الرهان الأميركي في هذا التطوّر على قناعة الطرف العربي بانخفاض الوزن النسبي لقيمته الاستراتيجية في معطيات العالم المعاصرة، جراء توّفر بدائل حقيقية للنفط العربي والتغيرات الحاصلة في بنية الاقتصاد العالمي وأنماطه،  ومواقع مراكز القوى فيه، وهو ما يتيح درجة مرونة أكبر للولايات المتحدة الأمريكية في التخلي عن التزاماتها السابقة تجاه المنطقة، بما فيها تغيير قواعد اللعبة والاشتباك بين الأطراف المنخرطة في تفاعلات اللعبة، وتصب هذه التغييرات بدرجة كبيرة على مستوى إعطاء درجة أكبر من الحرية لمختلف اللاعبين لممارسة أدوارهم والوقوف على مسافة واحدة تجاههم، ونتيجة ذلك جرى التخلي عن الكثير من المحاذير في العلاقة مع إيران، بل والأكثر من ذلك جرى تقديم الحوافز لإيران للانطلاق صوب أدوار أكثر فعالية من السابق، على نمط الاتفاق النووي الذي عقدته إدارة أوباما مع طهران والذي بموجبه تم فتح الأفق لإيران كي تتحول إلى دولة نووية في المستقبل، بل ومنحها الاتفاق الأدوات المناسبة لتجهيز البنية التحتية لهذا المشروع وفق الآجال والمهل الزمنية التي حدّدها الاتفاق، كما منحها القدرة التمويلية اللازمة لتزخيم دورها الإقليمي عبر الإفراج عن الأموال التي كانت محتجزة لدى مصارف الغرب عقابا على السلوك الإيراني العدائي والمتفلت في العقود السابقة.

وتكمن الإشكالية في هذا التحوّل بأن إيران بنت الجزء الأكبر من أدوات فعاليتها، إن كان على مستوى مشاريعها التسلحية أو على مستوى أذرعها العسكرية وميليشياتها في المنطقة بقصد اختراق النظام الإقليمي العربي وتدمير مرتكزاته، وباتفاقها مع أميركا والغرب عموما فإنه يجري تبييض هذه الأدوات وتحولها إلى بنى شرعية في المنطقة، مثل الميليشيات العراقية والحوثيين وحزب الله في لبنان وحتى الكتائب الأفغانية والباكستانية الشيعية التي حقنتها في الصراع السوري، وقد وضعت هذه البنى والتشكّلات الميليشاوية إيران في موقع المبادرة والهجوم على العالم العربي وفي أكثر من مكان،  في حين أن الطرف العربي الذي التزم محاربة الإرهاب وفق القوانين الدولية ومترتبات السلام في المنطقة يجد نفسه اليوم في وضعية دفاعية ومتهم بالإرهاب نتيجة احتساب تنظيمات متطرفة " القاعدة وداعش" على أنها أدوات تابعة له في الصراع الذي يراد إسباغ الطابع الطائفي عنوة عليه، في حين أن التوصيف الأصح له أنه صراع جيوسياسي بأدوات طائفية.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter