الملف السياسي


تجارب الرهان على الخارج لحل مشكلات الداخل


استاذ علم الاجتماع ، الجامعة اللبنانية/طـــلال عتريــسي
كــاتب وبـاحــث بمجلة الديمقراطية - مؤسسة الاهرام



كانت المنطقة العربية بسبب موقعها الاستراتيجي وثرواتها محل أطماع الدول الكبرى قديماً وحديثاً. وكانت هذه الدول تبذل الجهود سواء عبر الاحتلال المباشر لفرض الهيمنة والنفوذ، أو عبر الاختراق غير المباشر الثقافي والسياسي وتشكيل حكومات تابعة لها تحميها في مقابل التزام هذه الحكومات بسياسات تلك الدول ومواقفها. كما لعب الاقتصاد أدواراً لا تقل أهمية في فرض التبعية عبر شراء ثروة البلاد النفطية في مقابل الحماية والرعاية.

نشهد اليوم أشكالاً جديدة من تبعية الدول إلى الخارج عبر القروض وإعادة هيكلة الاقتصاد وفرض الخصخصة التي تقوم بها المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي التي تفرض على الدول المقترضة تغيير سياساتها الاقتصادية والاجتماعية لتصبح أكثر انسجاماً مع شروط تلك المؤسسات الدولية حتى لو أدى ذلك إلى تزايد للفقر وإلى اضطرابات اجتماعية كما حصل في كثير من تجارب دول العالم.

كان التوسع الأوروبي من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين، الذي ترافق مع احتلال مباشر لكثير من بلدان العالم بما فيها بلدان العالم الإسلامي حدثاً تاريخياً مدوياً في تاريخ الإنسانية، ترك إلى اليوم تأثيرات سلبية قوية ومهيمنة على جوانب كثيرة من حياة البلدان والشعوب التي خضعت لهذا الاحتلال. فقد تدخلت القوى الاستعمارية بشكل مباشر وتفصيلي في كل ما يمس حياة الشعوب التي احتلتها على المستويات الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية. ولذا استعانت هذه القوى بعلماء النفس والأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع والمستشرقين لفهم الشعوب التي أخضعتها ولضمان الهيمنة عليها.

بعض المفكرين الغربيين اعتبروا هذا الاحتلال "فعلاً حضارياً"، لذا هو "ضرورة وواجب". فقال Jules Ferry على سبيل المثال في البرلمان الفرنسي عام 1885"إن من حق الأعراق الأعلى أن تهتم بالأعراق الأدنى .. وعلى الأمم الأوروبية الكبرى أن تلتزم بشرف هذا الواجب الحضاري".([1]) بهذا المنطق "التحضيري" برر الفرنسيون احتلال الجزائر، الذي استمر كما هو معلوم نحو مئة سنة، قدم خلالها الجزائريون أكثر من مليون شهيد، ودمر المستعمرون الفرنسيون فيها اقتصاد البلاد، وحولوا ثقافتها إلى الفرنسية. حتى أن جيلاً كاملاً من الجزائريين بات يجد صعوبة في التعامل مع لغته العربية الأم، في حين تبدو الفرنسية أقرب إليه وأكثر سهولة في النطق والكتابة. ولا يخفي هؤلاء أن في المستعمرات "مواد أولية بأسعار زهيدة وهي مثابة أسواق جديدة لمنتجات أوروبا. والتوسع الاستعماري بالنسبة إلى Jules Ferry ضمانة ضد الاضطرابات الاجتماعية في بلاده، لأن عدم وجود مستهلكين جدد يعني انهيار المجتمع الحديث".([2]) وقد عادت الدول الغربية إلى المنطق نفسه لتبرير تدخلها في الدول العربية والإسلامية تارة من أجل "مشاريع الإصلاح السياسي والاقتصادي"، وطوراً  "لنشر الديمقراطية" في العراق وفي أفغانستان قبل "ربيعنا العربي" وبعده.



([1])Le choc colonial et l'islam, sous la direction de Pierre-Jean Luizard, editions La decouverte, Paris 2006.                                                                                                 

([2]L'Algerie Francaise. Indigenes et immigrants, editions Seguier, Paris 2002.            

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter