الملف السياسي


الأسس الحاكمة للتفاهمات والتجاذبات بين روسيا وأمريكا وإيران وتركيا


استاذ علم الاجتماع ، الجامعة اللبنانية/طـــلال عتريــسي
استاذ علم الاجتماع ، الجامعة اللبنانية



على الرغم من سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه عام 1990 وانتفاء خطره الاستراتيجي على الغرب، وانتهاء الحرب الباردة التي دامت 50 عاماً، استمرت الولايات المتحدة في التعامل مع روسيا التي خرجت ضعيفة ومكسورة من غياب هذا الاتحاد، كأنها ما زالت تهديدًا استراتيجيًا للغرب.

وإذا كان من الطبيعي أن تبذل واشنطن الجهود لدمج الاقتصاد الروسي في الاقتصاد الغربي بعد تغيير بنيته الاشتراكية السابقة، فإن من المستغرب أن تستمر الإدارات الأميركية المتعاقبة في محاولات محاصرة الكرملين بصواريخ "أطلسية" عابرة للقارات تضعها في البلدان المجاورة لروسيا مثل أوكرانيا وجورجيا ورومانيا وسواها...كما أن بقاء حلف الأطلسي  كمنظومة أمنية وعسكرية غربية بعد اختفاء الاتحاد السوفياتي، فاقم  مخاوف الروس من النوايا الأميركية في الهيمنة ، وفي منع روسيا من العودة إلى الساحة الدولية. "وقد بات جليا أن خلق حضور عسكري أميركي على الحدود الروسية، والذي بدأ عقب أحداث سبتمبر/ أيلول 2001، يرمي إلى الضغط على روسيا من الجبهة الجنوبية بعد أن أكمل الناتو الضغط عليها من الجبهة الغربية في اجتماع براغ في نوفمبر/تشرين الثاني 2002 الذي أقر ضم رومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا وسلوفينيا إضافة إلى دول البلطيق الثلاث. والهدف تفويت الفرصة على روسيا، خلق عالم ثنائي القطب وحصرها في مساحة جغرافية لم تعرفها منذ القرن الثامن عشر...([1])

ومع تدشين منظومة الدرع الصاروخية الأميركية في رومانيا، اعتبرت موسكو أن المشروع موجّه ضدها ويهدد الأمن الاستراتيجي للقارة، وتعهدت برد متكافئ «ذي طابع عسكري تقني"، لأنها تعتبر هذا المشروع جزءاً من مساعي تطويق روسيا عسكرياً وإضعاف قدراتها، إلى جانب جهود توسيع الحلف الأطلسي شرقاً عبر ضم جمهوريات سوفياتية سابقة، ونشر قوات وآليات على طول الحدود الروسية- الأوروبية.([2])

شهدت العلاقات الروسية الأميركية حتى بعد الحرب الباردة تعقيدات كثيرة وحالات مد وجزر ومواجهات مباشرة أو عبر الحلفاء .. لكن جوهر الصراع بين الطرفين كان ولا يزال بالنسبة إلى الولايات المتحدة هو في منع روسيا من استعادة الدور السوفياتي السابق، انسجاما" مع استراتيجيتها التي تقوم على منع أي قوة دولية أو حتى إقليمية من منافسة القوة الأميركية. أما روسيا فقد عملت  طوال العقدين الماضيين وخصوصا" بعد صعود بوتين إلى الرئاسة ، على تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، من خلال استراتيجية تقوم على بعدين متلازمين : الأول هو تطوير ترسانتها العسكرية ، وتطوير تحالفاتها مع الدول التي لديها المخاوف نفسها من سياسات الهيمنة الأميركية. والثاني هو استمرار التواصل والحوار مع الولايات المتحدة وعدم الرغبة في الصدام المباشر معها. هكذا يمكن أن نفهم علاقة روسيا الاستراتيجية مع إيران ، وحرصها على توسيع دائرة الانضمام إلى دول "البريكس"، و"منظمة شانغهاي" كمنظمات إقليمية ودولية في مواجهة الهيمنة السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة.

مع تحولات "الربيع العربي" المتسارعة التي عرفها الشرق الأوسط، كانت الخسائر على المستوى الدولي هي خسائر روسية بالدرجة الأولى، خصوصاً بعد "خديعة" التدخل الغربي المباشر لإسقاط القذافي وهو ما لم يرد في القرار الدولي الذي وافقت عليه موسكو  لإيجاد منطقة حظر طيران في ليبيا.

شعرت روسيا بعد تهديد الإطاحة بالنظام في سوريا عام 2011 أنها ستواجه الخديعة نفسها التي تعرضت لها في ليبيا بعد الإطاحة بالعقيد القذافي. ولذا كان قرارها الاستراتيجي هو منع سقوط سوريا بيد التحالف الغربي وحلفائه (تركيا  ودول الخليج). وسيتطابق هذا الموقف مع موقف إيران نفسها التي كان النظام في سوريا بالنسبة إليها حليفاً استراتيجياً في "محور المقاومة"، لا يمكن أن تسمح بسقوطه أو بإضعافه خصوصاً وأن كل التقديرات الغربية كانت تعتبر أن "سقوط الأسد سيشكل أهم ضربة استراتيجية إلى إيران".

كما خشيت روسيا من استغناء أوروبا عن استيراد الغاز الروسي بعد الضغوط الأميركية لفرض العقوبات، خصوصاً مع طرح بدائل عن هذا الغاز عبر خطوط برية من دول الخليج مروراً بالأردن إلى سوريا وصولاً إلى تركيا فأوروبا. ما يعني ضربة قوية للحاجة الأوروبية إلى روسيا في هذا المجال. وهذا يفترض نظاماً موالياً للولايات المتحدة في سوريا وليس حليفاً لروسيا أو لإيران. وهذا يفسر لماذا ذهب بوتين في لقاء المصالحة مع أردوغان في سان بطرسبرغ في 9 آب/أغسطس 2016 إلى الإعلان عن التوافق على مشروع "السيل التركي" لنقل الغاز الروسي عبر تركيا إلى جنوبي أوروبا.

أدرك الروس أن التراجعات الأميركية بعد قرار الانسحاب من العراق عام 2013 وفشل الحرب الإسرائيلية-الأميركية على حزب الله في لبنان صيف 2006، وعدم تحقيق الانتصار في أفغانستان .. والتفاوض مع إيران حول برنامجها النووي ... هي مثابة فرص لتعزيز نفوذ الكرملين وتحالفاته وتوسيع دوره في منطقة الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي وقفت فيه روسيا إلى جانب النظام في سوريا، وقدمت له الدعم والتسليح والخبراء والفيتو في مجلس الأمن ... ورفضت الدعوات السعودية والتركية لإسقاطه، فإنها حرصت في الوقت نفسه على تطوير علاقتها مع المملكة السعودية على مستوى التسليح والتعاون، وكذلك فعلت مع تركيا قبل إسقاط هذه الأخيرة لطائرة السوخوي الروسية على الحدود التركية. بمعنى أن روسيا لا تنظر إلى دورها في الشرق الأوسط من خلال علاقتها مع سوريا أو مع إيران فقط. بل هي تتطلع إلى دور أوسع من ذلك بكثير، عسكري وسياسي واقتصادي ... يشمل باقي الدول بما فيها إسرائيل والسعودية ومصر، وهذه الرؤية الروسية التي تتباين فيها مع كل من حليفتيها في إيران وسوريا خصوصاً ما يتعلق بإسرائيل والسعودية، فإنها أيضاً من أهم أسباب الخلاف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة التي لا تريد فعلياً شريكاً لنفوذها، أو بديلاً عنه في هذه المنطقة المهمة من العالم على الرغم من تكرار الحديث عن انتقال أولوية الولايات المتحدة الاستراتيجية إلى المحيط الهادئ. "لأن عدم اكتراث الولايات المتحدة تجاه الأحداث والتوجهات والتطورات الإقليمية يؤثر سلباً على المصالح الأمريكية وعلى استقرار وأمن أصدقائها وحلفائها ... ولأن الدور المستمر الذي يلعبه النفط في الاقتصاد العالمي ليس إلا أحد الأسباب التي تمنع الولايات المتحدة من الابتعاد عن الشرق الأوسط كما قد يتمنى البعض. فالمنطقة تضم أصدقاء وحلفاء قدامى يتطلعون إلى الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة ([3]) على الرغم من اختلافهما وتنافسهما، تجنبت الولايات المتحدة وروسيا خيار المواجهة العسكرية المباشرة. لكنهما استخدمتا كل أنواع الضغوط والمناورات والعقوبات في اشتباكهما السياسي والإعلامي والديبلوماسي والاقتصادي. وفي سوريا التي  تحولت إلى حلبة مواجهة إقليمية ودولية توافقت كل من روسيا والولايات المتحدة على قضيتين أساسيتين: محاربة الإرهاب ودعم الاستقرار، خصوصاً بعدما تجاوزت  موجة الإرهاب في سوريا إلى دول أخرى وصولاً إلى أوروبا نفسها. ولكن الاختلاف وقع بين الطرفين حول من هي المنظمات الإرهابية التي ستكون هدفاً لهذه الحرب ؟ وحول ماذا يعني الاستقرار ومن أين يجب أن يبدأ ؟.

اختصرت الولايات المتحدة الإرهاب بتنظيم داعش فقط. وشكلت تحالفاً دولياً لمحاربته استثنت روسيا وإيران من المشاركة فيه. في حين ذهبت روسيا بالتعاون مع النظام في سوريا إلى المشاركة العسكرية المباشرة عبر القصف الجوي، لأوسع دائرة من المجموعات الإرهابية (داعش وجبهة النصرة وجيش الإسلام وتنظيمات أخرى...) كما استمر هذا الخلاف بين روسيا والولايات المتحدة حول مشاركة هذه المجموعات في المفاوضات السياسية.  

أما على مستوى الاستقرار فقد اعتبرت الولايات المتحدة أن رحيل الرئيس الأسد هو شرط للاستقرار وللحل السياسي في سوريا .في حين اعتبرت روسيا أن محاربة الإرهاب هي شرط هذا الاستقرار وأن التدخل الخارجي لفرض الديمقراطية لا يحقق الاستقرار،(كما حصل في العراق وليبيا) وأن مستقبل الرئيس الأسد يحدده الشعب السوري ([4]).

على الرغم من محددات التوافق بين البلدين على المقاربات السياسية لحل أزمات المنطقة وفي مقدمها الأزمة السورية إلا أن ما يجري ميدانياً يبّين أن كل طرف يحاول من خلال الدعم العسكري الذي يقدمه لحلفائه أن يقلب موازين القوى لمصلحته. ويحاول أن يجعل التسوية أقرب إلى الشروط التي يريدها. لكن في الوقت نفسه لا موسكو ولا واشنطن تريدان المواجهة المباشرة أو اندلاع حرب شاملة في الشرق الأوسط. وهذا يفسر كيف يمارس كل طرف الضغوط حتى على الحلفاء لعقد هدنة في ذروة احتدام المعارك، أو للذهاب إلى المفاوضات في ذروة التصعيد السياسي. ومن الطبيعي أن تنعكس هذه العلاقة بمدها وجزرها وبسقفها السياسي وبقاعدتها الميدانية العسكرية على أطراف الصراع الأخرى مثل تركيا وإيران وباقي القوى الإقليمية. 

 



([1]) عاطف معتمد عبد الحميد، "الهيمنة الروسية على جورجيا" الجزيرة نت.3/10/2004.

([2]) "الدرع الأميركية على أبواب روسيا "،الحياة 13 أيار/مايو 2016.

([3]) پاتريك كلاوسون وسايمون هندرسون" تحسين نوعية السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط" معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى معهد واشنطن، المجهر السياسي 146، تموز/يوليو 2016.

([4]) وجهات النظر الروسية حول الشرق الأوسط: تقرير عن رحلة، معهد واشنطن، جيمس جيفري وأنا بورشفسكايا، 3حزيران/يونيو 2016.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter