الملف السياسي


سوريا: مركز التجاذبات والتفاهمات السياسية في المنطقة بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران


كــاتب ســـوري/غـــازي دحــمــان
كــاتب ســـوري



كل شيء في المنطقة يبدو متعطلاً وساكناً، فلا فلسطين تتحرك باتجاه تسوية أو تصعيد، ولا لبنان قادر على تخطي عتبة انتخاب رئيس جديد له ولا اتفاق إيران مع الغرب يصار إلى تصريفه سياسياً، ولا قمة العرب في موريتانيا استعادت الروح من موات مديد، ونامت ثورات الربيع العربي على كومة أوراق خريف مبكر، حتى الحروب المشتعلة في ليبيا واليمن بدأت تتثاءب وصارت صدى صوت أكثر منها فعل وحركة.

وحدها محركات الحرب السورية لا زالت على هديرها، ويوماً بعد آخر ترتفع حدة الصراعات في ساحة الحرب التي أصبحت بمثابة المرآة العاكسة للصراعات والتسويات والتجاذبات الإقليمية والدولية، فكل الصراعات يراد تسويتها في الميدان السوري وكل التفاهمات يجري صناعتها على خلفية المشهد في سورية. ومنذ أن بدأ مركز الثقل في أزمات الشرق بالانزياح فعلياً صوب سورية حتى بدأت تظهر تغيّرات دراماتيكية سياسية وعسكرية على سطح الشرق الأوسط، ظاهرها فوضى جيواستراتيجية عارمة وتجاذبات إقليمية ودولية شديدة التنافر، لكنها تخفي في جوهرها صراع تكتيكات جيوبوليتيكية فائقة التنظيم على استراتيجيات دولية وإقليمية.

صراع سهل

على الرغم ما تنطوي عليه الساحة السورية من تعقيدات هائلة، سواء ما تعلق منها بالواقع الميداني الغير قابل للحسم نتيجة الزخم الكبير في إمداد أطراف الصراع، أو ما يتعلق بالبعد السياسي للصراع والذي يعيش على واقع انقسامي استقطابي بين محاور إقليمية ودولية، رغم كل ذلك يشكل الصراع سهولة انخراط الأطراف المختلفة فيه، والسبب سهولة تطويع تفسيراته نتيجة الخلط الهائل للأوراق الذي انبنى عليه هذا الصراع، لذلك من السهل أن تجد روسيا تبريراً لتدخلها عبر إدراج هذا الفعل في خانة الالتزام بالقانون الدولي والدفاع عن الأنظمة الشرعية، كما أن إيران تبرر تصرفاتها بوضعها تحت يافطة الدفاع عن محور المقاومة في المنطقة والممانعة للسياسات الغربية التي تسعى لفرض سيطرتها على شعوب المنطقة، في حين أن أمريكا والدول الغربية تبرر تدخلها بالدفاع عن حق الشعب السوري في الديمقراطية والحرية.

وقد ساهم هذا الأمر بدرجة كبيرة بعدم توصّل القوى المتصارعة إلى أساس موّحد للتفاهمات حتى اللحظة نظراً لاختلاف المنطلقات وتصورات الحل لديها ومآلاته، حتى بيان مؤتمر جنيف 2012 الذي أريد له أن يكون منطلقاً للتسوية السورية وخارطة طريقها، تحوّل إلى أساس للاختلاف بين الأطراف نظراً للتأويلات المختلفة التي تم تبنيها.

ليس سراً تحول القوى الخارجية إلى طرف مقرّر في الصراع من خلال إدارتها لأطرافه وتحكمها بمخرجات الصراع، ذلك أن سنوات الحرب الطويلة واستنفاذ قدرة الأطراف المحلية دفعها إلى الاعتماد كلية على الأطراف الخارجية الداعمة لها، حيث لم يقف الدعم عند حدود التأييد الدبلوماسي بل وصل إلى حد الانخراط المباشر بالكوادر والعتاد، كما تفعل روسيا وإيران اللتان استثمرتا بشكل كبير في الميدان السوري الأمر الذي جعل منهما طرفين أصيلين في المعركة وفي الحل.

أهداف اللاعبين

- تسعى روسيا من خلال تموضعها في سورية إلى إضعاف الطوق الاستراتيجي عليها من قبل حلف الناتو في أوروبا وضرب طوق على أوروبا من خلال البحر المتوسط. وتحاول إدماج الملف السوري في إطار حزمة ملفات الصراع مع أمريكا والغرب، وتعمل على تزخيم ملفها السوري من خلال تقديم نفسها على أنها طرف محارب للإرهاب وحتى المدافع عن المسيحية في ظل رخاوة أمريكا والغرب، كما أنها تعمل على ابتزاز أوروبا عبر مساهمتها في دفع مزيد من اللاجئين إلى أبوابها عبر استهداف التجمعات السكنية الكبرى مثل حلب.

- من جهتها تغض أمريكا النظر على الانخراط الروسي في سورية، بل إنها تقدم له بعض التسهيلات من خلال منع تزويد المعارضة بأسلحة، ولا يخفى الهدف الأمريكي من وراء ذلك:

- استهلاك الحماسة البوتينية في العودة إلى ساحة التنافس الدولي كقوة ثانية، ولا شك أن جر روسيا إلى الساحة السورية بكل تعقيداتها، مضافاً إليها العقوبات الغربية وانخفاض أسعار النفط، ستجعل كل مرتكزات القوة لدى روسيا تتآكل دون أن يكلف أمريكا الخوض في صراعات خطرة.

- إضعاف الصين: حيث تعطي أمريكا لقوة الصين وطموحاتها وزناً أكبر في كفة الصراع الدولي، ذلك أن إضعاف القوة الروسية في إطار التنافس الصيني – الأمريكي تخصم من قوة الصين وتقلل من أوراقها في محاولة السيطرة على بحر الصين الجنوبي والتأثير على نفوذ أمريكا في المحيط الهادئ الذي تعتبره الأخيرة هدفاً استراتيجياً لما ينطوي عليه من فرص لاستعادة قوة الاقتصاد المترنح.

- الهدف الثالث: إبقاء أوروبا في دائرة النفوذ الأمريكي بعد أن كشفت تداعيات الحرب في سورية مدى هشاشة القدرة الأوروبية في التأثير في مجريات الأحداث بل حتى في حماية القارة من الأخطار التي باتت تضرب بقوة في الداخل الأوروبي من خلال الاختراقات الأمنية وتهديد استقرار أوروبا.

على ذلك فإن السياسة التي تنتهجها الإدارة الأمريكية إزاء سوريا، في هذه المرحلة، تتأسس على الاستثمار في المسألة السورية، وهذا يختلف عن إدارة الأزمة، لأنها في حقيقة الأمر - ومن الناحية العملية - تشجع كل الأطراف على المجيء إلى سوريا، وعلى تحويل سوريا إلى ساحة للمواجهة أو للصراع، في حين تجلس هي في مقاعد المتفرجين، أو في مكانة الحكم بين الأطراف. 

ولعل الإدارة الأمريكية تشتغل هنا بناء على فكرتين مفادهما، أولا، ترك الآخرين يتقاتلون فيما بينهم ويستنزفون بعضهم، بما يشبه مقولة "دع العرب يتقاتلون"، والمقصود هنا إيران وتركيا وروسيا  والسعودية، وغيرها من الدول العربية. وتنطلق في ذلك من قناعة مفادها أن كل الأطراف، بعد أن تكون أُنهكت واستنزفت، ستلجأ إلى الولايات المتحدة، باعتبارها صاحبة القوة الأكبر، وباعتبارها الحكم.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter