الملف الإعلامي


مستقبل الإعلام في الوطن العربي : الصحافة الاستقصائية(2)


نهله محمد أحمد جبر
الأمانة العامة لجامعة الدول العربية



يقوم الإعلام في وطننا العربي على عدة محاور هامة تشكل في مجملها عوامل مؤثرة وبشدة في مجرى الأحداث العامة والمتغيرات التي يمر بها عالمنا العربي. فنحن أمام  رغبة شديدة في تغيير شامل في الإعلام العربي نحاول من خلاله رسم مستقبل زاهر للمنطقة انطلاقاً من إعلام قوي ومؤثر وحاسم في القضايا الخلافية على الساحة، ونحاول من خلاله كذلك إنهاء الانقسام المجتمعي ولم الشمل العربي. فالهدف الأسمى من الإعلام يجب أن يكون واحدًا هو النهوض بالمجتمع والحفاظ على ثقافتنا وتراثنا والنهوض بأمتنا العربية نحو آفاق جديدة مستقبلية تحمل بين طياتها الشفافية والمصداقية وتعزز الروابط بين السلطة والمواطنين، بل إن الإعلام العربي يجب أن يكون حجر الأساس في علاقة قوية متكاملة بين الشعب والسلطة. 

تعتبر الصحافة الاستقصائية محور حديثنا في هذا المقال فرعًا هامًا من فروع الصحافة العالمية منذ أكثر من نصف قرن في العالم الغربي، لكنها في عالمنا العربي مازالت طفلاً يحبو وينشد حيزًا أكبر في الوجود والتأثير. لقد عُرفت الصحافة الاستقصائية أو صحافة التقصي على أنها مصطلح يعني تتبع الأثر، فالاهتمام الرئيسي لهذا النوع من الصحافة هو البحث والتنقيب حول قضية أو موضوع ما، والغوص في أعماقه لمعرفة ما وراء المعلومة وأسبابها وملابسات حدوثها. ويصف رئيس المركز الدولي للصحفيين مفهوم الصحافة الاستقصائية على أنه: "سلوك منهجي ومؤسساتي صرف، يعتمد على البحث والتدقيق والاستقصاء حرصاً على الموضوعية والدقة وللتأكد من صحة الخبر، وما قد يخفيه انطلاقاً من مبدأ الشفافية ومحاربة الفساد، والتزاماً بدور الصحافة كمراقب على السلوك الحكومي، وكأداة لمساءلة المسئولين ومحاسبتهم على أعمالهم، ووفقاً لمبادئ قوانين حق الاطلاع وحرية المعلومات". أما المديرة التنفيذية لـ «إعلاميون عرب من أجل صحافة استقصائية - أريج» رنا صباغ فتصفها بقولها "إن الصحافة الاستقصائية أفضل طريقة للوصول إلى قلب الحقيقة والخروج من دائرة التأثير المبرمج الذي يتم ضمن حلقات صناعة الإعلام وتمرير المعلومات". وتضيف قائلة "الصحافة الاستقصائية تكشف التجاوزات والممارسات الخاطئة وتُفعل مبدأ المحاسبة والمساءلة بما يؤدي مبدئياً إلى تصويب الأوضاع". 

يتضح من الوصف السابق أن الصحافة الاستقصائية تعتبر نوعًا مختلفًا من الصحافة المتعارفة والمتداولة، وأن هذا النوع يختلف كثيراً وبكل تأكيد عن التحقيق الصحفي المعروف، وإن بدا أنه انعكاس له، ففي حقيقة الأمر يعتبر التحقيق الصحفي شكلًا من أشكال الصحافة الاستقصائية إن صح التعبير. فالتحقيق الصحفي مفهوم يعبر عن التحري والبحث والاستقصاء في واقعة أو حادث أو مشكلة، ومعرفة أسبابها ودوافعها، والاستماع إلى كل الآراء حول تلك الواقعة ثم الوصول في النهاية إلى حكم يلخص نتائجها. التحقيق الصحفي يجمع المعلومات والبيانات التي تخص حدثاً ما ويحاول أن يزاوج بينها ليصل إلى حل يمكن أن نراه صالحاً للمشكلة أو القضية التي تم طرحها، فهو يتسم بالواقعية والآنية حتى لو كان الموضوع تاريخيًا.

الشاهد أن التحقيق الصحفي لا يطرح الموضوع طرحاً عادياً، بل يقوم على تفسيره وتحليله وتحري دقة وصحة معلوماته، فهو أداة للسعي نحو اليقين في الأمر ومحاولة سبر أغواره ثم المساهمة في علاج تأثيره على المجتمع سواء كان محلياً أو دولياً. أما الصحافة الاستقصائية فتختلف عن التحقيق الصحفي من حيث إنها تبحث عن الموضوع أو القضية بمزيد من التحقيق والاستقصاء وتأكيد المعلومات، وهذا يتطلب فترة طويلة نسبياً من الزمان، فالتحقيق في الأمر لا يكون عادياً بل قد يكون متشعبًا ومترابطًا ويتطلب الكثير من الوقت قد يصل إلى سنوات طويلة وزمن آخر. فالهدف من الصحافة الاستقصائية هو تقديم خدمة أكبر للمجتمع والصالح العام وليس فقط تقديم حلول أو تبرير لواقعة أو حدث ما. فالهدف من الصحافة الاستقصائية أن تلعب دوراً رقابياً على السلطة وتضعها موضع المساءلة، وأن تكون انعكاسًا لمعنى وفكرة أن الصحافة هي الهرم الرابع في السلطة بعد التشريعية والتنفيذية والقضائية. وتعتبر الصحافة الاستقصائية طريقة علمية منهجية في البحث من خلال الاعتماد على وضع فرضية ما، واختبار مدى صحتها، والتأكد من حقائقها، لتصل في النهاية إلى تحسين أداء السلطة التنفيذية، وإحداث تغيير ملموس ومؤثر في المجتمع، وهو التأثير الذي يمكن أن يؤدي في بعض الأحيان إلى تغيير القوانين وتصحيح أخطاء فادحة في المجتمعات.

إن أهم وأشهر نماذج الصحافة الاستقصائية التي غيرت في الشأن الدولي فضيحة ووترجيت التي تسببت في استقالة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عام 1974 التي قادها الصحفي الاستقصائي الشهير بوب وودورد في جريدة واشنطن بوست. أما في عالمنا العربي فأشهرها فضيحة الأسلحة الفاسدة التي تم توريدها إلى الجيش المصري أبان مواجهته مع الجيش الإسرائيلي في فلسطين عام 1948 والتي فجرها الصحفي إحسان عبد القدوس.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter