الملف السياسي


معركة الموصل بين صراعات القوة وتجاذبات الادعاءات التاريخية، ومآلات ما بعد الحرب


كـاتب وبـاحث سيـاسي مصري/سيد أبو زيد عمر
كـاتب وبـاحث سيـاسي مصري



يعيد التاريخ نفسه في أغلب الأحوال، والموصل نموذج لبقعة جاذبة - بحكم موقعها وتركيبتها السكانية - لصراع إرادات لم تتوقف عبر تاريخها الموغل في القدم، وحروب ومواجهات دامية بين أطراف تتغير مسمياتها، ولكنها تتشابه في كل الحالات في أطماعها الإقليمية والطرق الوحشية لتحقيق السيطرة عليها. ولا يتسع المجال لاستعادة تاريخ المدينة منذ الفترة الآشورية حيث يعزو المؤرخون بناء المدينة إلى القائد الآشوري الأسطوري نينوس، الذي جعل لها اسمها القديم "نينوى"، وهو الاسم الذي تحمله المحافظة بأكملها في عصرها الحديث، ويروي زينوفون لدى زيارته للمنطقة عام 401 ق.م. عن وجود بلدة تدعى "ميسيلا" في موقع مدينة الموصل الحالية، وإن كان البعض يرجح الأصل العربي لاسمها والذي يعني مكان "وصل"، إذ يصل بين ضفتي نهر دجلة الذي يمضي عبر المدينة، وقيل بين الجزيرة والعراق، وقيل أيضًا بين دجلة والفرات.

مسرح العمليات

الموصل ثاني أكبر المدن العراقية سكانًا، تقع في أقصى شمال العراق مجاورة لسوريا، مما أتاح تبادلًا تجاريًا نشطًا عبر الحدود، وكان لهذا الجوار تأثيره على طباع الأهالي ونشوء "اللهجة المصلاوية" المميزة. وتفصل الموصل عن تركيا محافظة دهوك، ويجاورها من الشمال محافظات كردية هي أربيل ودهوك، ومن الشرق أربيل وكركوك وصلاح الدين، ومن الجنوب الرمادي. وتضم الموصل أغلبية عربية سنية، ينحدرون من خمس قبائل رئيسية هي شمر والجبور والدليم وطئ والبقارة، ويوجد أيضًا أقليات مسيحية تنتمي إلى عدة طوائف، بالإضافة إلى أكراد وتركمان والشبك.

لم تقتصر العملية العسكرية على تحرير مدينة الموصل فحسب، فهناك العديد من الوحدات الإدارية التابعة لمحافظة نينوى التي وقعت تحت سيطرة داعش، وهي الحضر، البعاج، والشورة، وحمام العليل، وتلعفر، والمحلبية، وتل عيطة، وحميدات، والنمرود، والحمدانية، وبرطلة، وتلكيف، والعياضية، والقحطانية. وهو ما يكشف مدى اتساع الجبهة وتشابكها، ويفسر تعدد القوى المشاركة بالضرورة في تحريرها، تلك القوى التي تتناقض مصالحها وأهدافها، فالجيش العراقي الباسل عبر التاريخ لم يكن قادرًا – بظروفه الحالية – على القيام وحده بعملية التحرير، ويفسر أيضًا تأخر البدء في تحرير أراضٍ بحجم وثقل الموصل التي استولت عليها داعش منذ يونيو 2014. فقد كان على العراق أن يستوعب في البداية صدمة انهيار جحافل القوات العراقية أمام أعداد محدودة من مقاتلي داعش، فلم يكن الانهيار لأسباب عسكرية بقدر ما كان لأسباب سياسية ونفسية تعود إلى غضب السُّنة العارم من السياسات الطائفية للمالكي رئيس الوزراء السابق، والوحشية المفرطة التي تعمدت داعش ترويجها عن عملياتها، وكان على العراق أيضًا - الجيش والشرطة الاتحادية - أن ينمي من تجهيزاته ويخوض في البداية معارك تحرير الرمادي والفلوجة قبل أن يتجه شمالاً إلى نينوى. وكان عليه أيضًا أن ينسق مع القوات الأمريكية التي تبدي اهتمامًا بحسم معركة الموصل تحسبًا من تمدد داعش إلى حقول وآبار النفط المجاورة في كركوك وغيرها، وتشترك القوات الأمريكية في هذه المعارك بالطيران والمدفعية، وأن ينسق مع مسعود البرزاني رئيس الإقليم الكردي بشأن قوات البيشمرچة الكردية، وأن يحجم مشاركة قوات الحشد الشعبي الشيعية خشية من تجاوزاتها الطائفية. وعقدت عدة اجتماعات مشتركة للاتفاق على خطة التحرير التي انطلقت في ساعة متأخرة من ليلة 16 أكتوبر، وأطلق عليها رئيس الوزراء حماد العبادي اسم "قادمون يا نينوى". التي كانت موضع ترحيب من مختلف العواصم.

صراعات القوى

لا يخفى على أحد أن كل طرف من القوى المشاركة في عمليات استعادة الموصل له أجندته الخاصة، نابعة من مصالحه الذاتية، أو مدفوعة من الجهات التي تقدم الدعم السياسي و/أو العسكري لها، فهذه سمة طبيعية لنظام المحاصصة وتقاسم النفوذ. بما يزيد من حدة المأساة التي يعيشها الأهالي في أرجاء نينوى. ففي ظل حكم الدولة الإسلامية "داعش" التي طبقت بصرامة كل أفكارها المتطرفة، واستباحت تلك البقاع رجالاً ونساءً، مستخدمة المدنيين كدروع بشرية، لإخفاء مقاتليها بين المدنيين، ومستخدمة إياهم في حفر الأنفاق التي تتيح لهم سهولة وخفية التنقل، ولا يجد السكان سبيلاً للهروب سوى ترك مساكنهم والنزوح بعيدًا عن المعارك، بمعنى أن يفقدوا ممتلكاتهم وينتقل من استطاع إلى ذلك سبيلاً إلى معسكرات إيواء تحميهم بالكاد من الشتاء القارس في تلك الأصقاع.

وتثير مشاركة الحشد الشعبي الشيعي في معركة الموصل مخاوفًا من مواجهات طائفية، وقد سبق لها القيام بعمليات تطهير مذهبي، وهو ما أكده وزير الخارجية السعودي يوم 14 أكتوبر واصفًا الحشد بأنه مؤسسة طائفية انتماؤها إلى إيران. لذلك أوضح رئيس الوزراء عند إعلانه بداية التحرير أن العملية تتم قيادتها من قبل الجيش والشرطة وليس أي جهة أخرى، وأكد زعيم تنظيم بدر الشيعي يوم 18 أكتوبر أنه من المفهوم أن مدينة الموصل لن يدخلها إلا الجيش والشرطة بحيث لن يسمح لأي قوة أخرى بدخولها، سواء الحشد الشعبي أو البيشمرچة أو حتى التحالف الدولي. ورغم هذه التأكيدات تبقى المخاوف من خروج الحشد الشعبي عن السياق. وقد خصص للحشد الشعبي المحور الغربي من بين القوات المهاجمة، وهو المحور الأكبر والأوسع، يمتد من القيارة جنوبًا حيث القيادة العسكرية للعمليات وصولاً إلى تلعفر شمالاً وسنجار والبعاج غربًا، متعاونًا على هذا المحور مع لواءين من الشرطة الاتحادية العراقية، ويصف الناطق باسم الحشد الشعبي أحمد الأسدي محور الحشد بأنه الأصعب والأطول والأوسع بمساحة 10 آلاف كم مربع، واصفًا هذه الجبهة بأنها تعادل أضعاف المساحة التي تقاتل فيها القوات الأخرى وأبناء العشائر وجهاز مكافحة الإرهاب مجتمعة. ويفسرها الآخرون بأن المقصود بمثل هذه التصريحات أن لكل جهد ثمنه.

وضح من الخطط الموضوعة للمعارك أن قوات البيشمرچة الكردية قد جعل لها وضع خاص، فقد شارك رئيس الإقليم الكردي في التخطيط، ودفع بأعداد كبيرة منهم على عدة محاور، فهي قد تم تنظيمها وتدريبها من قبل مدربين أمريكيين، ويحظى الإقليم باهتمام خاص لدى الإدارة الأمريكية، فمن المعتقد أن المشاركة الأمريكية في هذه المعركة قد جاءت بسبب اقتراب مقاتلي داعش من أراضي الإقليم وحقول البترول العراقي في الشمال. وتقوم قوات البيشمرچة بالدور الرئيسي على المحور الشرقي الأقرب إلى مدينة الموصل (20 كم) وتساندها وحدات جهاز مكافحة الإرهاب التي تتمركز خلفها تنتظر التغلغل عبر الوحدات الكردية نحو الساحل الأيسر من الموصل. وتواجدت هذه القوات على المحور الجنوبي الشرقي، وتتمركز فيه بالإضافة إلى البيشمرچة وحدات الفرقة الأولى والتاسعة من الجيش العراقي بهدف تحرير المناطق المحصورة بين الحمدانية والنمرود. وتتواجد أيضًا على المحور الشمالي الشرقي، وهو محور بعشيقة، وحيث تتمركز قوات تركية في معسكر الزيلكان الذي يعتبر قاعدة للقوات التركية منذ فترة رغم اعتراضات الحكومة العراقية. كذلك تتواجد قوات للبيشمرچة على المحور الشمالي والشمالي الغربي مساندة للفرقة 16 للجيش العراقي وفرقة مكافحة الإرهاب. ويخشى أغلب المراقبين من محاذير تضخم قوات البيشمرچة وامتلاكها لهذا القدر من التسليح، وتوسع وانتشار دورها العسكري إلى الحد الذي يخل بالتوازن مع القوة العسكرية المركزية، فلم يعد خافيًا سعي الإقليم إلى المزيد من التوسع على حساب الأراضي المجاورة للإقليم وتضم أعراقًا وطوائف أخرى، ويخشى أن تتمسك بما احتلته من أرض بحجة التحرير. وقد أعلنت منظمة "هيومان رايتس ووتش" أن القوات الكردية دمرت بشكل غير قانوني منازل وقرى عربية في شمال العراق خلال العامين الماضيين فيما يعد جريمة حرب، ووقعت هذه الانتهاكات بصفة خاصة في الفترة من سبتمبر 2014 ومايو 2016 في 21 بلدة وقرية داخل مناطق متنازع عليها بمحافظتي كركوك ونينوى. وتخضع هذه المناطق لسلطة بغداد لكنها تحت هيمنة حكومة إقليم كردستان التي تصدت لتنظيم داعش عام 2014 وطردته من مناطق كان قد استولى عليها، واستقبلت منذ ذلك الحين أكثر من مليون شخص معظمهم من العرب السُّنة الذين شردهم الصراع، واعتمد تقرير المنظمة على زيارات ميدانية وشهود وصور بالأقمار الصناعية. وأضافت المنظمة أن لديها أدلة على أعمال تدمير مماثلة في 62 قرية أخرى قامت بها القوات الكردية، وأنها بصدد تقصي صحتها.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter