الملف الخاص


الأدب والظاهرة السياسية ... حدود التلاقي والتباعد


د. عــمـار عــلي حــســن
روائي وباحث في علم الاجتماع السياسي - القاهرة



في كتابه "مقدمة في نظرية الأدب" طرح الناقد الإنجليزي الكبير تيري إيجلتون سؤالا مفاده: هل ثمة علاقة بين السياسة والأدب؟ لكنه حصر الإجابة في التأكيد على أن نظرية الأدب الحديثة جزء من التاريخ السياسي والأيديولوجي لعصرنا، وأنها مرتبطة بشكل لا ينفصم بالمعتقدات السياسية والقيم الأيديولوجية، وراح يبرهن على ذلك بما أنتجه "النقد النسائي" الذي يدور في مجمله حول فكرة سياسية تتعلق بالمساواة بين الرجل والمرأة، وكذلك أدب الطبقة الكادحة الذي يحاول أن ينتصر لها في مواجهة الجوانب المتوحشة من الرأسمالية. لكن أهم ما يميز رؤية إيجلتون، هذه والتي طرحها تحت عنوان "النقد السياسي" هو الجزم بأن الحديث عن نظرية أدبية تقوم على الجمال الخالص هو مجرد وهم كبير، وأن كل نقد أدبي هو في الوقت ذاته نقد سياسي، أو على حد قوله: "فكرة أن هناك أشكالاً غير سياسية من النقد هي ببساطة خرافة .. والفرق بين نقد سياسي ونقد غير سياسي، هو مجرد الفرق بين رئيس الوزراء والملك، فالأخير يدعم غايات سياسية معينة بالتظاهر بأنه لا يفعل هذا، بينما لا يخفي الأول ذلك"([1]).

وما طرحه إيجلتون، ينم عن توجه من قبل النقد الأدبي للانفتاح على علم السياسة. فهل لدى الأخير ما يقترب به من الأدب؟ إن الإجابة على هذا التساؤل لا يجب أن تقتصر فقط على الأبعاد الأيديولوجية للنظرية الأدبية، بل من الضروري أن تمتد إلى بعض القواسم المشتركة بين السياسة والأدب، من ناحية، والتفاعل بين هذين المفهومين على أرض الواقع، من ناحية أخرى، دون أن تعطي اهتمامًا بالآثار السلبية التي يخلفها انتهاك السياسة الفج للنص الأدبي، حين تحوله إلى منشور أو بيان سياسي أو أيديولوجيا ووعظ.

وما يهمنا هنا هو تناول طبيعة العلاقة بين الظاهرة الأدبية والظاهرة السياسية، إن صح التعبير، وهو ما يمكن رصده في النقاط التالية:

تسييس الظواهر الاجتماعية

ما من شك أن حياتنا صارت مسيسة بشكل أو بآخر، فقد أصبحت السياسة متداخلة مع الكثير من سلوكنا، وعاداتنا اليومية، وامتد ذراعها، فطوق كل ما  كنا نعتقد في الماضي أنه بعيد عنها كل البعد([2]). وعملية تسييس الظواهر الاجتماعية كانت هي الآلية التي ميزت علم السياسة في القرن العشرين عن القرون التي خلت، فقديما كان هناك فرق واضح بين السياسي والأخلاقي. فالإجهاض، مثلا، كان في القرن التاسع عشر مسألة أخلاقية، وكان وضع الأسرة ومسائل الصحة والتربية بعيدا عن اهتمامات السياسة، باسم احترام الحياة الخاصة.

أما في القرن العشرين، فتم توسيع ميدان السياسة، ليشمل كل المسائل السابق ذكرها، وامتدت شبكة التفسير السياسي إلى كافة النشاطات الإنسانية، بل وصلت إلى الظواهر الطبيعية. فعدم هطول المطر، أو وقوع الزلازل، يبدو لأول وهلة أمرا بعيدا عن السياسة، لكن إعادة النظر في هذه المسألة سيقود إلى نتيجة مفادها، أن السياسة تقع في قلب هذه الظاهرة الطبيعية. فبعض الناس يعتقدون أن هذه الكوارث نجمت عن غضب الله سبحانه وتعالى على الحكام، لظلمهم وفسادهم، وفي كل الأحوال فإنهم سيلجؤون للسلطة لتنقذهم مما حل بهم من خسائر، وعليها أن تستجيب، في هذه الأوقات الحرجة، حفاظا على الشرعية وضمانا للاستقرار السياسي([3]).

إن سؤالا مثل هل موسيقى موزار ذات طابع برجوازي قد يبدو، لأول وهلة، أمرًا عبثيًا، لكن إمعان النظر فيه يمكن أن تنجم عنه نتائج محددة إذا ما تمت الإجابة عليه بنعم. ولقد وصل الأمر بعلماء السياسة إلى البحث عن الجوانب الجيوسياسية في كرة القدم، ففي كتاب صدر عن أحد المراكز الاستراتيجية الفرنسية، شارك في إعداده نخبة من الباحثين، تم التعامل مع هذه اللعبة على أنها متابعة الحرب بوسائل أخرى - هذا هو الوصف الذي كان المنظر الاستراتيجي كلاوزفتش قد أطلقه على السياسة - وأنها صارت الظاهرة الأكثر كونية في عصر العولمة، إذ أنها تبدو أشمل من اقتصاد السوق وعملية الدمقرطة، وأنها صارت أحد الأدوات القوية في الدبلوماسية الدولية، حيث يمكن، في رأي هؤلاء، أن تساهم في توحيد شطري كوريا أو دفع عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما يمكن لها أن تكون أحد وسائل تحقيق الوحدة الوطنية في البلاد متعددة الأعراق واللغات والديانات، حيث تتضافر مختلف الجماعات حول المنتخب الوطني، الذي يعد رمزا تعلق عليه الأمة بعض آمالها، خاصة إذا كان يضم تحت لوائه لاعبين ينتمون إلى هذه الجماعات ([4]).

وتنبع هذه التصورات من شيئين أساسيين، الأول: أن العملية السياسية تبدو معقدة للغاية، نظرا لتداخلها الشديد مع حقول معرفية ونشاطات إنسانية أخرى، ويأتي التحليل ليبسطها عبر نماذج تأخذ أشكالا مختلفة تتراوح بين الكلام اللفظي الصرف والحسابات الرياضية الدقيقة ([5])، والثاني: أنها عملية تتسم بالشمول، إلى حد كبير، إذ أن كل النشاطات البشرية قابلة للتسييس عندما تدخل في صميم اهتمامات السلطة السياسية.

وعندما يربط الإنسان فكريا بين ظاهرة ما والنظام السياسي تكتسب تلك الظاهرة معنى سياسيا، بحيث من الممكن أن يصبح  كل نشاط بشري عملا سياسيا، في ضوء تطور الواقع الاجتماعي، اقتصاديا وتقنيا ([6])، أو على حد قول روبرت دال: "سواء شئنا أو لم نشأ فلا يوجد أحد قادر على أن ينأى بنفسه عن الوقوع في دائرة من دوائر التأثير لنظام سياسي ما. فالمواطن يتعامل مع السياسة عند تصريف أمور الدولة، المدينة، المدرسة، الكنيسة، الشركة، النقابة، النادي، الحزب السياسي، الجمعيات التطوعية، وغير ذلك من منظمات عديدة أخرى. فالسياسة هي حقيقة من حقائق الوجود الإنساني، لا يمكن تجنبها. وكل فرد يجد نفسه مشتركا بطريقة ما، في لحظة ما، في شكل من أشكال النظم السياسية .. وإذا كان المرء لا يمكنه تجنب السياسة، فإنه بالضرورة لا يمكنه تجنب النتائج المتولدة عنها" ([7]).

من هنا يجد الأدب نفسه، بوصفه ظاهرة اجتماعية، متماسا مع العملية السياسية، فهو أقرب إليها من نشاطات إنسانية أخرى. ويصل الأدب أحيانا لدرجة أنه يبدو نوعا من الممارسة السياسية، ويصبح الأديب رجل سياسة، لكن بطريقته وأدواته الخاصة. وقد لخص نجيب محفوظ هذا الموقف في عبارة بليغة قال فيها: "ليس هناك حدث فني، بل حدث سياسي في ثوب فني" ([8]). وليس معنى هذا أن محفوظ يقر بلي عنق الأدب لخدمة أيديولوجيات معينة بما يقضي على الجانب الجمالي فيه، لكنه يتحدث عن حضور السياسة كسياق عام، وممارسة اجتماعية في النص الأدبي، أي يشير إلى تأثير الواقع المعيش على الأدب.



([1]) تيري إيجلتون، "مقدمة في نظرية الأدب"، ترجمة: أحمد حسان، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة (كتابات نقدية)، العدد رقم (11)، 1991، ص231-256.

([2])Stephen D. Tansy, Politics: The Basics, London, Routledge, First Edition, 1995, pp. 1-5.    

([3]) جان ماري داكان، "علم السياسة"، ترجمة: محمد عرب صاصيلا، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1992، ص23-65.

([4])      Pascal Boniface, Geopolitique du Football, Bruxelle, Complex, 1998.                         

([5]) Randall B. Ripley, Policy Analysis in Political Science, Chicago, Nelson – Hall INC., Publishers, Second Edition, 1987, p. 31.                                                                           

([6]) د. عصام سليمان، "مدخل إلى علم السياسة"، بيروت، دار النضال للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1989، ص27-32.

([7]) روبرت أ. دال، "التحليل السياسي الحديث"، ترجمة: د. علا أبو زيد، مراجعة د. على الدين هلال، (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر)، الطبعة العربية الأولى، 1993، ص: 7.

([8]) نبيل سليمان، "أسئلة الواقعية والالتزام"، اللاذقية، دار الحوار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1985، ص82.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter