احداث وقضايا عربية تفرضها التطورات السريعة في المنطقة


مأزق النظام العربي واستشراف مآلاته


غـــازي دحــمــان
كــاتب ســـوري



هل يمكن الحديث عن نظام عربي في ظل هذه الاختراقات الكبيرة التي تمزق جسده وتلغي دوره غير الفاعل أصلاً ؟، على الأقل سيبدو الأمر في نظر كثير من شعوب المنطقة كلاماً عن ظاهرة ماتت ولم يعد لها أي أثر، بالنسبة للفلسطيني أو السوري والعراقي والليبي، يبدو الأمر مستفزاً، بل أقرب إلى الدعابة التي لا معنى لها، لا شك أن مثل هذه المهمة تعتبر شاقة على الكاتب والقارئ بنفس الآن، على الأقل من الناحية المهنية يصعب إيجاد سياق تحليلي متكامل لظاهرة أصبحت في طور الموت ولم يعد لها تأثير ملحوظ، فكل الفرضيات التي يمكن وضعها ستولد متناقضة وميتة حتى قبل وضعها على محك الاختبار، فأي نظام عربي ذلك الذي يمكن الحديث عنه ؟، ومع ذلك، فما زال النظام من حيث الأطر والمؤسسات على قيد الحياة، وما زال، شكلانياً على الأقل، يمثل إطاراً ناظماً تنتظم علاقة الدول العربية، التي لا تزال على قيد الحياة، في داخله، وما زال يشكل أحد مرجعيات القرار الدولي فيما خص المنطقة، وما يهمنا من هذا السياق استشراف مآلات هذا النظام وما هي التحولات الممكنة في هيكليته وأهدافه، في ظل العاصفة التي تهب على مكوناته؟

 

أسباب الذاكرة التراكمية

مرّ النظام العربي بفترات أزمة سابقة كثيرة، حصلت في غالبها نتيجة اختلافات في الرؤى والمواقف تجاه قضايا معينة، مثل أزمة اليمن وأزمة الكويت، وما بينهما المواقف من السلام مع إسرائيل، كل تلك الأزمات كان لها تفاعلات سلبية على تطوير النظام العربي، وأبعدت كل إمكانية للعمل بهذا الاتجاه لما كان لها من أثر في تهميش الثقة بين الأطراف المشكّلة له، فضلاً عن انغماس الأطراف في علاقة صراعية استقطابية أرخت بظلالها فترة طويلة على العمل العربي المشترك، ورغم افتقاد النظام العربي لآليات فض النزاع بين أطرافه، إلا أن أعضاء النظام استطاعوا، وإن بعد وقت، تجاوز تلك الخلافات لأسباب عديدة، أهمها: أن العناصر الفاعلة في الخلاف كانت داخلية ولم يكن الاختراق الخارجي بهذه الحدة التي هي عليه اليوم، وكان النظام الدولي أكثر انضباطاً منه اليوم لجهة محافظته على النظم الفرعية بداخله، أما السبب الثاني، فهو أن ما كان يمرّ به النظام العربي هي أزمات بمعنى انقطاع مؤقت في مسار التطور أو في سيرورة التقدم لأسباب غير بنيوية، قابلة للتجاوز بسياسة واعية للأسباب. وهي حالة تشهدها أغلب الأنظمة والمجتمعات في صيرورة تطورها، وغالباً ما كان النظام العربي يتجاوزها ويستعيد جزءًا من حيويته وفعاليته، أما ما يمرّ به النظام اليوم فهو أشبه بالمأزق، أي الوصول إلى حالة من انسداد الطرق أو الأفق ولا يمكن السير معها إلا بتغيير كيفي يفضي إلى بنية جديدة، وإذا لم يتعامل النظام العربي مع هذه الحالة وفق هذا المنطق فإنه يغامر بتفكّكه وزواله، وخاصة وأن هذا النظام فقد جزءًا كبيراً من مناعته والخوف أن يفقد ما تبقى من جاذبيته.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter