الملف الثقافي


ملحنون صنعوا مجد أم كلثوم


قائد اوركسترا وناقد وباحث ومؤرخ موسيقي - لبنان/المايســترو ســـليــم ســـحاب
قائد اوركسترا وناقد وباحث ومؤرخ موسيقي - لبنان



مقدمة

من هي خليفة أم كلثوم ؟. سؤال كان وما زال أقوى سؤال سيطر ويسيطر على الحياة الموسيقية الغنائية العربية منذ غياب شمس الأغنية العربية وسيدة الغناء العربي أم كلثوم التي سيطرت على هذا الفن منذ ظهورها على الساحة الغنائية في العشرينات من القرن المنصرم لغاية وفاتها سنة 1975، أي تقريبًا على مدى نصف قرن من الزمان. بل إنها ما زالت متربعة على قمة الغناء العربي لغاية الآن منذ ظهورها، أي على مدى قرن كامل، وذلك لعدم ظهور صوت يستطيع سد الفراغ الذي تركه رحيلها. فبالرغم من رحيلها منذ 1975، والتساؤل الكبير عن خليفة هذا الصوت ما زال يجوب العالم العربي بأكمله باحثًا عن البديل.

ولعل أكثر مرة ظهرت فيها هذه المسألة بوضوح شديد على الساحة الفنية العربية كانت عند ظهور اسم المطربة اللبنانية ميشلين خليفة فجأة. وقد صاحب ظهورها المفاجئ ضجة إعلامية ضخمة جدًا شارك فيها صحفيون معروفون وملحنون لبنانيون، اتضح بعد ذلك أن بعضهم كان ممن ساهموا في نظم وتلحين أغنيات صاحبت هذه الظاهرة الغريبة. ووصلت درجة هذه الحملة الدعائية إلى الترويج بظهور الصوت الذي تفوق على صوت أم كلثوم. لكن هذه الحملة الدعائية الضخمة جدًا اختفت مع صوت ميشلين خليفة بنفس السرعة التي ظهر فيها. ولو تُرك هذا الصوت ينمو بشكل طبيعي لقُدِّر له مع اجتهاد صاحبته أن يترك أثرًا إيجابيًا على الساحة الغنائية. لكن ضخامة الحملة المصاحبة لها جعلت العارفين بالفن المتشوقين إلى صوت يخلف فعلاً صوت أم كلثوم يصابون بخيبة أمل كبيرة قضت على هذا الأمل قبل ولادته.

إذا حللنا ظاهرة أم كلثوم نرى أنها ليست مجرد صوت، بالرغم من عظمته وحجمه التاريخي. فقد واكب صوتها منذ ظهوره كوكبة من الملحنين كان قدرهم أن يغيروا مجرى تاريخ الموسيقى والغناء العربيين بأسره معتمدين على صوتها الاستثنائي التاريخي.

من هم هؤلاء الملحنون ؟

عند ظهور أم كلثوم كانت مدرسة القرن التاسع عشر الغنائية هي المسيطرة على الحياة الموسيقية في مصر. فإذا اعتبرنا أنها من مواليد 1902، وهو أدق تاريخ حددته أدق الدراسات في هذا الموضوع، نرى أن أم كلثوم وُلدت بعد وفاة زعيم ملحني القرن التاسع عشر (محمد عثمان) بسنتين (توفى سنة 1900)، وبعد وفاة زعيم مطربي القرن التاسع عشر وثاني أهم ملحنيه (عبدهثف9 الحامولي) بسنة واحدة (توفى سنة 1901). وبعد ولادتها بسنة (1903) ظهرت صناعة الأسطوانة المسطحة في مصر. وبدأ تهافت مطربي تلك الحقبة على تسجيل تراث القرن التاسع عشر، أي تراث وألحان عبده الحامولي ومحمد عثمان، والمجموعة الهائلة من الموشحات والأدوار القديمة الموروثة من بداية القرن التاسع عشر، والتي كان يقدمها عثمان والحامولي في حفلاتهما. وكان معظم المطربين الذين قاموا بتسجيل هذا التراث يعملون في بطانة القطبين الكبيرين عثمان والحامولي، ومن أشهر هؤلاء المطرب الملحن أبو العلا محمد، الذي كان يغني في بطانة عبده الحامولي. وتشاء الصدف أن يتعرف أبو العلا محمد على أم كلثوم وهي صغيرة من خلال معرفته لأبيها الشيخ إبراهيم البلتاجي، الذي كان منشدًا للسيرة النبوية والتوشيحات الدينية، وكان ينشدها مع ابنته أم كلثوم وأخيها خالد.

وهكذا أصبح الشيخ أبو العلا محمد أول ملحن للمطربة الناشئة أم كلثوم ومعلمها بعد أبيها. وكان من الطبيعي أن تدخل في منهج تعليمه لها الأعمال الغنائية التي لحنها أستاذه الحامولي إلى جانب الأعمال التي كان الحامولي يقدمها من التراث الموروث، إلى جانب ألحانه الخاصة. وطبعًا كانت ألحان أبي العلا محمد تنتمي كلها إلى مدرسة عبده الحامولي، أي مدرسة القرن التاسع عشر، وبالتالي كانت أم كلثوم تنتمي مدرسيًا وروحيًا ومزاجيًا إلى هذه المدرسة.

ألحان الحامولي لأم كلثوم

نبدأ بلحنين نسبا إلى الحامولي: أراك عصي الدمع، وأكذب نفسي، بسبب ظهور هاتين القصيدتين بصوت أم كلثوم في أثناء مرحلة وجودها معه. وظلت أم كلثوم والمجتمع الموسيقي العربي يعتقدان أن هاتين القصيدتين من ألحان أبي العلا محمد لغاية ما جاء المؤرخ الصديق المرحوم محمود كامل لأم كلثوم حاملاً أسطوانة (كوب) من القرن التاسع عشر مسجل عليها قصيدة "أراك عصي الدمع" إحدى هاتين القصيدتين وهي من نظم أبي فراس الحمداني، وفي أثناء الغناء يهتف أحد العازفين: "هالله هالله يا سي عبده"، ولم يكن أحد من مطربي القرن التاسع عشر يعرف بهذا اللقب والاسم سوى عبده الحامولي. إلى جانب هذه الرواية هناك إثباتان تاريخيان يؤكدان نسبة هذه القصيدة لعبده الحامولي وهو وجود تسجيلين للقصيدة بصوت اثنين من أهم مطربي تلك الحقبة سبقا تسجيل أم كلثوم لها (1928) أي سنة بعد وفاة أبي العلا محمد (1927). والقصيدة من أهم القصائد التي غنتها أم كلثوم وهي من مقام البياتي، وتعتبر مثالًا صارخًا على بناء القصيدة العربية الكلاسيكية التي استمر التلحين على منوالها لغاية 1935، تاريخ ظهور قصيدة محمد عبد الوهاب "أعجبت بي" (مهيار الديلمي) والتي كسر فيها نمطية تلحين القصيدة السائد لذلك الوقت مع الإيقاع الوحيد لها: الوحدة الكبيرة. وقد عرفت قصيدة "أراك عصي الدمع" بلحنين غير هذا، أولهما لزكريا أحمد من مقام هزام غنته أم كلثوم سنة 1944 ولم يسجل، وأعاد السنباطي تلحين القصيدة على مقام الكورد وغنتها يوم الخميس 3/12/1964.

أما القصيدة الثانية المشكوك في نسبتها "أكذب نفسي" فسجلتها أم كلثوم سنة 1931 (أربع سنوات بعد وفاة أبي العلا محمد) ولم نعرف لها تسجيلاً آخر لمطرب آخر لا قبل هذا التاريخ ولا بعده، ما يقرب نسبتها إلى أبي العلا محمد إلى حدود الجزم الإيجابي.

اقتصرت الأغنيات التي لحنها أبو العلا محمد لأم كلثوم على القصائد فقط. ويصل عددها إلى اثنتي عشرة قصيدة، إذا اعتبرنا قصيدة "أكذب نفسي" من ألحانه. وتبرز من هذه المجموعة قصيدة "وحقك أنت المنى والطلب" من مقام الهزام ونظم الإمام عبد الله الشبراوي، "الصب تفضحه عيونه" مقام بياتي وهي أول قصيدة غنتها من تأليف أحمد رامي وهو مازال طالباً في باريس، "أكذب نفسي" مقام هزام نظم ابن النطاح، و "أفديه إن حفظ الهوى أو ضَيَّعَ" نظم ابن النبيه المصري وهي من مقام البياتي.

بقي أن نذكر أن الشيخ أبا العلا محمد من مواليد قرية بني عديّ مركز منفلوط محافظة أسيوط سنة 1884، وتوفي في 5/1/1927.

أحمد صبري النجريدي

طبيب أسنان من طنطا، تعرفت عليه أم كلثوم سنة 1924، وكان ملحنًا هاويًا، وأثمرت هذه العلاقة عن 17 لحنًا منها 4 قصائد: "كم بعثنا مع النسيم سلامًا" مقام الحجاز نظم إبراهيم حسني ميرزا، "لي لذة في ذلتي وخضوعي" مقام نهاوند نظم أبو الحسن الدجاجي، "مالي فتنت بلحظك الفتاكِ" مقام بياتي نظم علي الجارم، وأخيراً "طلع الفجر ولاح» مقام هزام ونظم أحمد رامي.

كان النجريدي مفتونًا بقصائد أبي العلا محمد، لذلك كان أسلوبه قريبًا جدًا من أسلوب أبي العلا في التلحين. حتى أن تاريخيًا تعتبر أهم قصائده تلك التي اقتربت أكثر من غيرها من أسلوب أبي العلا محمد وهي قصيدتا "كم بعثنا مع النسيم سلامًا" و "مالي فُتنت بلحظك الفتاكِ" التي يظنها المستمع أنها من ألحان أبي العلا محمد. أما الجديد الذي أعطاه النجريدي لأم كلثوم فهو أنه أول من جعلها تغني الطقاطيق وعددها عشر. وكانت أشهرها: "الخلاعة والدلاعة مذهبي" (هزام) تلك الأغنية التي جعلت أحمد رامي شاعر الفصحى يقرر النظم بالعامية لينقذ أم كلثوم من غناء كلمات من هذا المستوى، حتى أنه تدخل وغيَّر مطلع الأغنية إلى: الخفافة واللطافة مذهبي، لكن التسجيل الرسمي الموجود بصوت أم كلثوم يحمل المطلع الأول بكل بشاعة كلماته.

بقي القول بأنه بعد علاقة عاطفية كادت تؤدي إلى الزواج، لولا تدخل أهل أم كلثوم ورفضهم للموضوع، انسحب النجريدي من حياة أم كلثوم ورجع إلى طنطا إلى مهنته الأولى كطبيب أسنان وترك التلحين إلى الأبد. إن دور النجريدي في حياة أم كلثوم الفنية هو دور تاريخي أكثر من كونه موسيقيًا فنيًا. فقد كان دورًا مساعدًا لما قام به أبو العلا محمد في مجال القصيدة، ويمكن اعتباره ثالثة الأثافي (مع أبي العلا محمد وداود حسني) التي قامت عليها قاعدة انطلاق أم كلثوم في مرحلتها الفنية الأولى.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter