الملف السياسي


تركيا في دوامة متناقضات المنطقة


د. محمد نور الدين
مدير مركز الدراسات الاستراتيجية - بيروت



حتى منتصف حزيران/يونيو 2016 كانت  تركيا تراوح مكانها في علاقاتها مع جميع الدول والقوى الإقليمية في ما يخص بالأزمة السورية تحديدا.

بلغ التراجع التركي ذروته مع انكسار العلاقات مع روسيا بعد إسقاط تركيا طائرة السوخوي الروسية المقاتلة في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2015. وتوزعت أضرار الحادثة بين اقتصادية في الحظر الروسي على استيراد المنتجات التركية وفي منع الروس من الذهاب كسائحين إلى تركيا. وفي المجال الخارجي كانت القيود الروسية على حركة الطائرات التركية في المجال الجوي السوري.

ولم تكن العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية جيدة بسبب مسألتين: استمرار وجود الداعية الإسلامي فتح الله غولن في الولايات المتحدة ورفض إدارة باراك أوباما تسليمه إلى تركيا بعد اعتبار جماعته تنظيما إرهابياً في إطار الصراع مع حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان. أما المسألة الثانية فهي استمرار الدعم الأميركي لقوات الحماية الكردية في سوريا والتي تعتبرها تركيا أيضا تنظيما إرهابيا وامتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يحارب الدولة التركية منذ العام 1984.

مع النصف الثاني من حزيران/يونيو 2016 عرفت السياسة الخارجية التركية تطورين مهمين: الأول الإعلان عن تطبيع العلاقات التركية- الإسرائيلية في 26 حزيران/يونيو والثاني وبعد يوم واحد فقط، في 27 حزيران/يونيو، إعلان عودة العلاقات التركية- الروسية إلى طبيعته، لكن الانقلاب العسكري الفاشل في 15 تموز/يوليو كان نقطة تحول في العلاقات التركية- الروسية كما في العلاقات التركية- الأميركية.

الشرخ التركي- الأميركي غير المسبوق في تاريخ علاقاتهما الثنائية والذي وصل ذروته في حادثة الانقلاب كانت له تأثيراته المهمة في اتجاه الدفع قدما وبزخم أكبر بالعلاقات التركية مع روسيا لتلامس حدودا أيضا غير مسبوقة من التعاون والتنسيق. من هنا كانت تركيا تقف عند تقاطع خيارات حادة تواجهها للمرة الأولى: شرخ في العلاقات مع الحليف الاستراتيجي الولايات المتحدة وتعاون وتنسيق وربما تحالف مع العدو التاريخي روسيا. هذه التطورات في العلاقات الثنائية كانت تعكس مكاسب لكلا الطرفين التركي والروسي.

فروسيا في ذروة صراعها مع الغرب والولايات المتحدة كانت تريد خرق الحصار الاقتصادي المفروض عليها وقد حققت ذلك من خلال التعاون مع تركيا ولا سيما خط "السيل التركي" الذي يوفر لروسيا بديلا ويحررها لاحقا من الارتهان لخط الأنابيب المار بأوكرانيا في اتجاه أوروبا. كما إنها نجحت في إحداث خرق في هذا الحصار على الصعد السياسية والعسكرية والنفسية عبر مد جسور التعاون مع دولة أطلسية هي تركيا.

أيضا فإن روسيا كانت تراهن بتفعيل علاقاتها مع تركيا على إبعاد تركيا قدر المستطاع عن المعسكر الغربي وشدّها إلى جانبها مستغلة التوتر في العلاقات التركية- الأميركية بسبب محاولة الانقلاب العسكرية والتوتر في العلاقات التركية- الأوروبية بسبب الخلاف حول اللاجئين والحريات العامة والصحافية في تركيا.

وقد نجحت تركيا في المقابل في استعادة حضور ميداني فقدته طويلا. إذ ما كانت تتطلع إليه منذ بدء الأزمة السورية حققته اليوم بدخولها طرفا مباشرا في الحرب السورية والسيطرة السلسة على كل تلك المناطق من دون قتال فعلي عبر ما سمي "عملية درع الفرات المستمرة حتى الآن. ولم تكن تركيا تحقق ذلك لولا التفاهم الذي أبرمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سانت بطرسبرغ. لكن التدخل التركي في سوريا كانت يتجاوز الأهداف المعلنة في محاربة "داعش" والأكراد ليمس خطوطا حساسة تاريخية وجغرافية.

ففي 29 أيلول/سبتمبر 2016 خرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مطالبا بإعادة النظر بمعاهدة لوزان التي وقعت عام 1923 معتبرا أن هذه المعاهدة لا تشكل نصرا لتركيا كما كان يقول أتاتورك حينها ومعه العلمانيون والقوميون بل كانت هزيمة لأنها أفقدت تركيا أراضي كانت لها ضمن حدود الميثاق الملي عام 1920. وقد أعلن أردوغان لاحقا عشية معركة الموصل في منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2016 أن الموصل "كانت لنا وضمن حدود الميثاق الملي".

وبموازاة إحياء أردوغان للموروث التاريخي خرج بما يمكن تسميته بالعقيدة العسكرية التركية الجديدة. وهو أن على تركيا أن تواجه التهديدات قبل أن تصل إلى الداخل التركي. وهذه التهديدات تنحصر بتنظيم داعش من جهة وبحزب العمال الكردستاني من جهة ثانية. واعتبر الأتراك أن مستقبل الموصل بعد تحريرها كما مستقبل منطقة تلعفر التركمانية، المؤلفة مناصفة من السنة والشيعة، أمر يهم الأمن القومي التركي وتركيا لن تقبل بأن يتمركز مقاتلو حزب العمال الكردستاني في جبال سنجار بين سوريا والعراق حتى لا تتحول إلى جبال قنديل ثانية ( حيث يتمركز عناصر الحزب وقيادته في تلك المنطقة الواقعة عند مثلث الحدود التركي- العراقي- الإيراني ضمن إقليم كردستان العراق). كذلك وفقا لهذه العقيدة الجديدة يجب ألا يدخل مقاتلون شيعة(من "الحشد الشعبي" العراقي) لتحرير تلعفر لعدم تغيير هويتها وعدم تحولها إلى قاعدة شيعية موالية لإيران.

وفي سوريا تنطلق العقيدة العسكرية الجديدة من أن شمال سوريا يجب ألا يتحول إلى ممر لـ "الإرهاب الكردي" وألا ينشأ أي كيان كردي هناك. وهو ما اعتبرته تركيا في صلب تدخلها العسكري في شمال سوريا عبر عملية درع الفرات. كذلك لم يسقط خيار المنطقة الآمنة في شمال سوريا والحظر الجوي والذي كان أردوغان يكرر المطالبة به دائما وأكد عليه خلال زيارته الخليجية إلى البحرين والسعودية وقطر في منتصف شباط/فبراير 2017 والذي ألمح إليه أيضا الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب بعد توليه الرئاسة.

في خلاصات المرحلة الجديدة المتقاطعة التباينات والتناقضات:

1- لم تغير تركيا من أهدافها الرئيسية في سوريا وهي إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد وإخماد جذوة الحالة الكردية فيها والسيطرة على الشمال السوري مباشرة أو عبر قوى محلية، إضافة إلى أجزاء من شمال العراق، تحقيقا لمطامع وتطلعات تاريخية، الذي حصل أن تركيا غيرت فقط من أولوياتها.

 2- شكلت محاولة الإنقلاب العسكري محطة مفصلية في تغيير تركيا لتكتيكاتها. إذ إنها لا تستطيع أن تبقى رهينة إدارة أرادت التخلص من أردوغان وتحقيق الحلم الكردي في شمال سوريا، وهو ما دفع أردوغان لتسريع التنسيق مع روسيا لأنه لا يمكن لتركيا أن تبقى عدوة لواشنطن وموسكو في الوقت نفسه.

3- استفادت تركيا كثيرا من رغبة موسكو في إبعاد تركيا عن الغرب حيث قدمت روسيا لتركيا العديد من "الهدايا" المحفزة لتركيا على تغيير وجهة سياساتها الخارجية.

4- استفادت تركيا من خلافها مع واشنطن والرهان الروسي على إبعاد تركيا عن الغرب لإيجاد موطئ قدم مباشر لها في سوريا عبر عملية "درع الفرات". كذلك نجحت تركيا في تعويم دورها السياسي السوري والإقليمي بأن تكون شريكا راعيا لمسار أستانا.

5- مع كل ذلك فإن تركيا لا تنظر إلى التعاون مع روسيا سوى مرحلة عابرة في انتظار تبلور سياسات دونالد ترامب الجديدة تجاه سوريا. ومهما كان موقف إدارة ترامب من العلاقة مع أكراد سوريا أو من مسألة إعادة فتح الله غولن من عدمه، وهما ملفا الخلاف الأساسيان بين واشنطن وأردوغان، فإن أنقرة سترمي بكل ثقلها لمنع تدهور العلاقات التركية- الأميركية من جديد.

6-المعادلة الثابتة هي أن تركيا رغم كل علاقتها المتحسنة مع روسيا لا يمكن أن تكون  جزءا من المحور الروسي- الإيراني وهي رغم كل خلافاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا لا يمكن أن تكون خارج المحور الغربي- الأطلسي.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter