الملف الدولي


تداعيات التطورات السورية على العلاقات الروسية الأمريكية المرتقبة


غـــازي دحــمــان
كــاتب ســـوري



في العلاقات الروسية - الأمريكية، وخاصة في مفصلها السوري، يصعب انطباق النظري على العملاني، مثلما يصعب التوفيق بين أهداف اللاعبين الكبار وتكييفها في سياق صناعة مشهد توافقي تراهن بعض دوائر صناعة القرار في واشنطن وموسكو على إمكانية تحقيقه بما يساعد على إنجاز سلة توقعاتهما ( الوردية) دون الاضطرار إلى خوض صراع تنافسي مكلف ومرهق لطرفين.

مساحات التلاقي

  • تلاقي المصالح: حيث تعتقد إدارة ترامب أن ضمان المصالح الروسية في سورية لا يؤثر على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية طالما ان الأخيرة لا ترغب في الغرق بالمستنقع السوري وطالما أن روسيا تقوم بالمهمة وتحفظ مصالح أميركا الممثلة بالحفاظ على مصالح التحالف الكردي في سورية.

  • الحرب على داعش والفصائل الإسلامية المتشدّدة والتي تصنفها واشنطن إرهابية، سواء في العراق أو في سوريا، أو حتى ببعض الامتدادات الإقليمية للتنظيم في مناطق أخرى مثل ليبيا.

  • الحفاظ على أمن إسرائيل ومصالحها والاعتراف بحقّها في قصف الأهداف التي من شأنها الإخلال بميزان القوى، وقيام روسيا بضبط التوازنات بشكل مقبول.

  • ضمان أن أي بديل لنظام الأسد لن يكون إسلامياً، وهو ما سعت روسيا إلى إظهاره في وثيقة الدستور الذي اقترحته في اجتماعات أستانا.

     

     

    التطورات وتداعياتها

     وقائع روسية صلبة:

    لم يفكر فلاديمير بوتين بالطريقة العاطفية التي يجري تصويرها لتسهيل عملية التقارب الروسي- الأمريكي في سورية، بل قام بمجموعة من التكتيكات التي وضعت روسيا في موقع المتحكم بالمشهد السوري ومصائره، وبما يضمن تهميش الدور الأميركي إلى أبعد الحدود.

    فقد استثمرت روسيا المرحلة الانتقالية الأمريكية إلى أقصى درجة من أجل إحداث تغيرات يصعب تعديلها أو الانقلاب عليها. لم تكتفي روسيا بتغيير الوقائع على الأرض، عبر إخراجها للمعارضة من ثاني أهم مدينة في سورية وتدعيم نظام الأسد، بل جلبت المعارضة الفاعلة على الأرض إلى عملية سلام في أستانا، وهو ما من شأنه حرمان أميركا من قواعد ارتكازية قد تستند عليها في إعادة بناء المجال السوري. ومن الواضح أن روسيا تعمل على تطويع كل العملية الدبلوماسية بشقيها في كازاخستان وسويسرا لإنتاج الحل الذي تراه مناسبا للخروج من المأزق السوري. بالإضافة لذلك، فإن طرح روسيا لمسودة دستور على فرقاء النزاع، هدفه قلب الأجندات السابقة والدفع باتجاه نقاش نصّ دستوري بشكل سابق على أي فترة انتقالية.

    مجالات التصادم الأميركي- الروسي.

    المسائل التفصيلية أصبحت التزامات:

    تشكّل المناطق الأمنة واحدة من التطورات التي يتوقع أن يكون لها تأثير مباشر في العلاقة بين أميركا وروسيا، ذلك أن طرحها في سياق البحث عن مخارج لأزمة اللجوء وإشكالياتها سيضع واشنطن في قلب تفاصيل الحل، سواء بإرادة روسيا او من دون إرادتها.

     

     

    التحالف الروسي- الإيراني

    تشكّل إيران ذراع روسيا البرية في سورية، ولولاها لما استطاعت روسيا تحقيق وجود لها في سورية، وبخروج إيران من سورية سيصبح الوجود الروسي نفسه في خطر بما يعني انهيار الميزان الميداني الذي استندت إليه روسيا في إثبات فعاليتها وحضورها، وأمام واقعة خروج إيران من سورية ستصبح روسيا امام خيارات صعبة، مثل اضطرارها إلى تعويض حضور الميليشيات الإيرانية بعشرات الالاف من جنودها والعرق في المستنقع السوري، أو الانكفاء إلى منطقة الساحل وأخذها وضعية دفاعية، أو العودة إلى روسيا والتراجع عن الإنجازات التي اتاحتها لها اللحظة السورية على صعيد الحضور في القضايا الدولية، وهو ما يبدو أن روسيا في غير وارد تجريب أي من هذه الخيارات.

     خطأ تقديرات ترامب

    تبني تقديرات الرئيس الأميركي على العلاقة مع روسيا على تصورات نظرية لم يجري اختبارها في الواقع، وتقوم على تحميل الملف السوري طاقة تجعله كافيا لدفع روسيا إلى مساومات في الملفات الخلافية الشائكة والمعقدة.

    ويرتكز ترامب في طرحه على رؤية لا تخلو من انتهازية ممزوجة ببساطة شديدة وصفها بعض السياسيين الأمريكيين بالسذاجة المفرطة، إذ انه مقابل اعترافه بمصالح روسيا في سورية يريد مقابل ذلك جذب موسكو إلى مداره في معاداة الصين وإيران، وتخفيض حّدة العداء الروسي تجاه أوروبا.

    وعدا عن كون أن سورية بنظر روسيا لا تكفي للتغطية على المساومة على كل هذه الملفات، فإن روسيا ستنتظر للصفقة على أنها نوع من التشاطر عليها على اعتبار أن سورية أصبحت من ضمن الأرصدة والأصول الروسية في الصراع الجيوسياسي العالمي فمن يبيع من هنا، كما أن علاقاتها مع الصين وإيران أكثر تشبيكاً وتعقيداً مما يتوقّع ترامب، وخاصة الصين التي تتكئ عليها روسيا في محاولة تظهير نظام عالمي جديد أكثر رحابة بالنسبة لروسيا وتستطيع من خلاله تحقيق مصالحها بكلف أقل.

    فريق ترامب وعظمة اميركا

    هناك تقديرات بأن فريق ترامب من المحافظين لن يوافق على توجهاته السياسية صوب روسيا  وسيدفع نحو مزيد من التشدد تجاه مصادر الخطر القائمة والتي لن تختفي بين عشية وضحاها .

    وإذا كان دونالد ترامب مرتاحاً – كما كان رونالد ريغان – بتوفير نطاق واسع من توجيه السياسات على أساس الأهداف أثناء تفويض الاستراتيجيات وتنفيذها عبر المرؤوسين المهرة الأذكياء في الإدارات والوكالات الحكومية، عندها يصبح الفريق هو صانع السياسات وموجهها وتتنحى جانباً رغبات ترامب واهتماماته، او على الأقل يجري دمجها ضمن توجهات أكبر.

    ويشكّل هدف جعل أميركا عظيمة مصدراً للكثير من السياسات للإدارة الأمريكية الجديدة ومحدداً لتوجهاتها ومدى مرونتها في التعاطي مع القضايا الدولية، ويرى خبراء أميركيون أن العظمة الأمريكية لن تكون صادقة وحقيقية ما لم تنعكس في السياسة تجاه سورية.

     الدولة العميقة

    ليس كل ما تعهد به ترامب أو تمناه قادر على تحقيقه وتجسيده واقعاً حقيقياً، فقد وقفت الدولة العميقة والمصالح المتشابكة والمعقدة في مواجهته عند تفاصيل كثيرة.

    وفي الموضوع السوري، يرفض البنتاغون ووكالة الاستخبارات الأمريكية التعاون مع روسيا في سورية، ليس فقط من منطلق عدم الاعتراف بشرعية وجودها هناك وإنما لاعتبارات أمنية بحتة تتعلق بانكشاف أساليب وطرق المخابرات الأمريكية في الحصول على المعلومات وكيفية بناءها وأساليب تقديراتها، أما من الناحية السياسية فترى الدولة العميقة أن التعاون مع روسيا في سورية يضر بصورة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم والشرق الأوسط خصوصاً.

     بيئة الصراع

    طرح ترامب محاربة داعش ركيزة أساسية ليس فقط لسياساته الشرق اوسطية وإنما كجوهر لتقاربه مع روسيا، غير أنه يوماً بعد أخر ومع توسيع زوايا الرؤية للصراع يتبين وجود روابط بين العامل الداعشي وعوامل أخرى تتغذى من بعضها البعض بحيث يصعب إزالة داعش ما لم يتم إجتثاث الشبكة المغذية لها، كما أن أدوات الحرب على داعش، والمتمثلة بالأطراف العربية في المنطقة يستحيل أن تشتغل على أساس إزالة داعش مع ترك الشبكة التي ترفدها.

    تداعيات التطورات كصانع للسياسات

    عندما يبدأ ترامب بإدارة مفاتيح العلاقات مع روسيا سيكتشف أن التداعيات التي صنعتها التطورات، بعضها بقصدية روسية، قد وضعت الصراع في مكان أخر بحيث تصبح مخرجاتها هي الوقائع الحاكمة للتوجهات السياسية والمقرّرة لمصائرها.

    من حلب إلى استانا وجنيف، ومن سجالات واشنطن وصراعات الكواليس ونفوذ الفريق وتوصيات الخبراء والمستشارين، سيكون قد مرّ على طموحات ترامب قطر كثيرة كفيلة بإعادة صياغتها وتشكيلها من جديد.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter