الملف الإعلامي


العرب يخاطبون الغرب بلغة إشارة غير مفهومة


أميـــنة خـــيري
كاتبة صحفية في جريدة الحياة الدولية



العالم العربي يفشل أو يعزف أو يجهل أو يجانبه الصواب أو يحيد عن المراد أو تداهمه الأنا أو يدهسه الإرهاب أو تباغته الجماعات أو تتغلب عليه المصالح أو ينأى بنفسه عن الصالح العام أو يجد نفسه مهروساً مفروماً مأزوماً في كوارثه الداخلية ومآسيه الإقليمية وخبطاته الأممية وذلك فيما يختص بمخاطبة العالم الخارجي.

العالم الخارجي الذي يتحدث لغة غير العربية، وينتهج ثقافة مختلفة عن الشرق أوسطية، ويعتنق مذاهب وطوائف ونحل لا علاقة لها بـ "وتبادل الزعيمان وجهات النظر" و"اتفق الوزيران على تعميق العلاقات الثنائية" و"قام الرئيس بزيارة إلى الدولة الفلانية" و"حقق الاقتصاد قفزات نوعية" و"قضى النظام على العناصر الإرهابية" و"استعدنا مكانتنا في العالم" و"فرض الحاكم هيبتنا على القاصي والداني" لا يفهمنا. فحين نترجم ما سبق من عبارات هي الأكثر استهلالاً للنشرات، والأعلى استهلاكاً في المانشيتات، والأوفر حظاً في نيل رضا الحكومات عندنا إلى لغات العالم الآخر، فهي لا تعني شيئاً.

الأشياء التي اعتاد المشاهد أو المستمع أو القارئ العربي أن يتقبلها باعتبارها أخباراً تحوي معلومات رغم أنها مجرد إشعارات عن مقابلات أو مكالمات بين الرؤساء، أو تحليلات على افتراض أنها مشتقة من الواقع ومرتكزة على معلومات رغم أنها مجرد تكهنات تعتمد على آراء معاد تدويرها غير قابلة للتداول خارج المنطقة، وإن تم تداولها فنحن الأخسرون.

خسارة مستمرة

وتتمثل الخسارة في تقييم تجارب بعضها سابق، والبعض الآخر مستمر متمثلة في قنوات عربية (أغلبها مملوك للدولة) تخصص قنوات أو برامج أو فقرات أو نشرات أخبار تُبث بالإنجليزية والفرنسية. هذه القنوات أو الفقرات تبث ما تبثه بالعربية ولكن بعد ترجمته إلى الإنجليزية، أي بالعقلية ذاتها والتوجه نفسه والمذهب المتمسك بتلابيب "تبادل الزعيمان وجهات النظر" ليس إلا. وقد نتج عن ذلك لا شيء في ملف مخاطبة العرب للغرب. لا هم فهموا المزيد عن حياة العرب وسياساتهم وثقافاتهم واقتصادهم ومشكلاتهم وطبيعة تركيبتهم النفسية والعصبية، ولا العرب – أنظمة أو شعوبًا أو كليهما - نجحوا في تغيير صور نمطية أو تصحيح مفاهيم مغلوطة أو تقريب هوات ثقافية وحضارية عميقة. بل حدث العكس تماماً، وهو ما بدا واضحاً جلياً في ضوء الهزات الارتدادية والآثار الجانبية المتواترة منذ هبوب رياح الربيع في 2011. فقد وجد الغرب نفسه أكثر تمسكاً بنظرياته العلمية غير العملية عن المنطقة العربية، وأعمق إيماناً بأن "دليل التحول الديموقراطي الغربي" يجب أن يُطبق بحذافيره على المنطقة إن لم يكن بالحسنى فبالإكراه.

وبين الإكراه والاستشراق شعرة، بدت واضحة جلية عشرات بل مئات المرات لا سيما في السنوات الست التالية لهبوب رياح الربيع العربي الشتوية. فالتغطيات الغربية لما يجري في "الشرق الأوسط الجديد" الجاري تحميله تكتيكياً منذ عقود وفعلياً منذ سنوات قليلة تسير على نهج واحد لا ثاني له، فما نجح في الغرب بتركيبته وكُتب في المراجع الغربية بتفسيراته ودُرِس في فصول العلوم السياسية وتاريخ الدول الأوروبية هو ما ينبغي تطبيقه في المنطقة العربية بالطول أو بالعرض. طالبة دكتوراه في جامعة عريقة في الولايات المتحدة الأمريكية كتبت قبل أيام خاطرة في هذا الشأن. فقط جمعها لقاء وعدد من الطلبة الأمريكيين "البيض" المتعلمين تعليماً سياسياً راقياً حيث فهم تام لنظريات السياسة والفلسفة الغربية بالإضافة إلى تاريخ وحاضر المنطقة العربية كما يتم تدريسه في الجامعات الأمريكية وجهل تام بحقيقة وواقع الحياة اليومية في المنطقة. جميعهم يتابع بشغف ما يجري في المنطقة العربية، ويدلون بدلوهم فيما يجري، ويتم إعدادهم ليصبحوا ديبلوماسيين ومعلمين وأساتذة إلخ الولايات المتحدة الأمريكية تخصص المنطقة العربية. وبحسب المادة الوحيدة المتوفرة لديهم بوفرة شديدة، فقد انتهجوا ما أسمته بـ "التطرف الاستشراقي". يحملون تعاطفاً جياشاً تجاه "الحداثة الإسلامية" (والتي عادة تصنف تحت بند الجماعات الإسلامية المتطرفة أو المتشددة في بلادها). يضعون كل تلك التيارات والجماعات الحديثة في سلة واحدة اسمها "التيارات الإسلامية السياسية الحديثة الوسطية". ويؤكدون بكل ما أوتوا من قوة إقناع أن هذه الحركات لا تعتنق العنف ولا تشكل تهديداً للمواطنين وإنها السبيل الوحيد لمواجهة الجماعات والحركات الأكثر تطرفاً من "داعش" و"قاعدة" وغيرها. ولا يرون موانع تحول دون تفعيل "حلم" الخلافة الإسلامية بشكل أو بآخر باعتباره حقاً ديموقراطياً يجب أن يمنح للجماعات التي اجتهدت وجمعت بين الدين والحداثة، بل بات منهم من يعتبر لفظ "علمانية" (بمعنى فصل الدين عن الدولة) إن صدر في بلاد العرب أو نطق به عرب هو لفظ غير مناسب".

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter