الملف الثقافي


تطور تلحين القصيدة عند محمد عبد الوهاب


المايســترو ســـليــم ســـحاب
قائد اوركسترا وناقد وباحث ومؤرخ موسيقي - لبنان



لم يصلنا بشكل كامل تراثنا الغنائي من القرون السابقة إلا ما تم تسجيله على أسطوانات منذ ظهور الأسطوانة وصناعتها في مصر سنة 1903، وهذا التاريخ أكيد، فقد رأيت بأم عيني أسطوانة عليها هذا التاريخ. وبهذا فقد سجَّل المطربون المخضرمون بين القرن التاسع عشر والعشرين كل ما عرفوه من أغان وقصائد وموشحات من القرن التاسع عشر حيث كانوا يغنون (مذهبجية) في بطانة كبار مطربي القرن التاسع عشر: محمد عثمان وعبده الحامولي. وبهذا عرفنا قصيدة عبده الحامولي بصوت أم كلثوم "أراك عصي الدمع" بعد أن غناها أستاذها أبو العلا محمد وسجلتها أم كلثوم سنة 1928 بعد وفاته سنة 1927، فظنَّت أم كلثوم أنها من ألحانه. وظل هذا الخطأ ساري المفعول لغاية الخمسينيات من القرن الماضي حيث جاء المؤرخ محمود كامل بأسطوانة كون من صنع القرن التاسع عشر وفيها إثبات تاريخي أن اللحن لعبده الحامولي.

كانت هذه القصيدة بداية معرفتنا التاريخية بالقصائد الغنائية العربية، وهي من أشهر القصائد التي ألفها الشاعر أبو فراس الحمداني. وجاء الشيخ سلامة حجازي بقصائد كثيرة غناها في مسرحياته وأذكر منها "ويلاه ما حيلتي" (غناها محمد عبد الوهاب ولدينا تسجيل لها بصوته) وقصائد كثيرة غيرها نملك تسجيلاً لبعضها. ويمتاز أسلوب أبي العلا في تلحين القصيدة بأنها مرسلة أي من دون إيقاع. وهكذا تكون القصيدة وليدة التجويد القرآني مائة في المائة. ولا ندري متى دخل الإيقاع (إيقاع الوحدة الكبيرة) إلى القصيدة، ولكننا نعرف أن أقدم قصيدة ظهر معها هذا الإيقاع هي قصيدة عبده الحامولي التي ذكرنا "أراك عصي الدمع" التي غناها أبو العلا محمد وسجلتها لاحقًا أم كلثوم. ومن ألحان أبي العلا محمد غنت أم كلثوم مجموعة قصائد يصل عددها إلى عشر. وتعتبر قصائد أبي العلا محمد التي غناها في البداية وأعادت غناءها مع غيرها من القصائد الملحنة خصيصًا لها وسجلتها أم كلثوم على الأسطوانات، أقول تعتبر هذه القصائد بداية تاريخ القصيدة العربية الحديثة في القرن العشرين. وقد دخل محمد عبد الوهاب باكرًا على خط القصائد كمنشد أولاً، فنحن نعرف بصوته قصيدتين سجلهما في سنة 1921. وإذا اعتبرنا أن سنة 1898 هي أقصى ما حدده العارفون به كتاريخ لميلاده، يتضح أن محمد عبد الوهاب بدأ مشواره مع القصائد منذ أن كان في الثالثة والعشرين من عمره. القصيدتان اللتان سجلهما محمد عبد الوهاب في هذه السن المبكرة هما: "أتيت فألفيتها ساهرة" من ألحان سلامة حجازي، وقصيدة " ويلاه ما حيلتي" والمرجح أن تكون من ألحان سلامة حجازي أيضًا. وشهدت العشرينات من القرن العشرين انطلاقة محمد عبد الوهاب كملحن للقصائد في زمن كانت الطقطوقة هي القالب السائد في التلحين. فبعد وفاة الشيخ أبي العلا محمد سنة 1927 استلم محمد عبد الوهاب راية تلحين القصائد ووضع في آخر ثلاث سنوات من العشرينيات مجموعة قصائد تعتبر المدماك الأساسي في تاريخ القصيدة الغنائية العربية الحديثة. وسوف نتابع في هذا المبحث تطور تلحين القصيدة عند محمد عبد الوهاب ابتداءً من العشرينيات من القرن المنصرم، ونكتفي في هذا المبحث بالقصائد التي غناها فقط.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter