الملف السياسي


استنهاض الهوية الوطنية المكونات العشائرية والقبلية لمحاربة الإرهاب


استاذ علم الاجتماع ، الجامعة اللبنانية/طـــلال عتريــسي
استاذ علم الاجتماع ، الجامعة اللبنانية



لم يكن من المتوقع أن يبلغ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ما بلغه من امتداد وتوسع في عام 2014. فقد تمكن عناصر هذا التنظيم في ظروف غير عادية وملتبسة من السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي العراقية إثر احتلاله محافظة الموصل في أيام قليلة. وقد أتاح سقوط الموصل للبغدادي زعيم (داعش) إعلان الخلافة الإسلامية أمام جمهور من المصلين، ودعوته باقي الأطراف المقاتلة في سوريا والعراق وكذلك باقي المسلمين إلى مبايعته، بعدما باتت الخلافة حقيقة لا يمكن التنصل منها أو تجاهل وجودها بالنسبة إليه.

قبل سقوط الموصل كانت كل التحليلات والرهانات تتوجه صوب سوريا التي باتت  أيضاً بعض مدنها ومحافظاتها تحت سيطرة تنظيم داعش الذي فرض فيها نموذجه وتصوراته للحكم وللحياة الاجتماعية ولعلاقات الناس فيما بينها وللزي الذي ينبغي عليهم ارتداؤه. وقد راجت في تلك الفترة أي بعد احتلال الموصل ومدن سورية محاذية للعراق (الرقة) على سبيل المثال، نظريات عن تقسيم سوريا والعراق وباقي بلدان المنطقة فيما بات يطلق عليه تغيير خارطة سايكس بيكو وتشكيل خرائط وتقسيمات وكيانات طائفية ومذهبية وعرقية جديدة، تجعل المنطقة العربية أكثر تفتتاً مما كانت عليه بعد اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة.

أثار هذا التوسع لتنظيم داعش مخاوف دول عربية كثيرة شعرت أن أي مشروع لتقسيم المنطقة سيهدد وجودها ووحدتها. وأن أي مشروع للتقسيم أو لتغيير الخرائط لا يمكن أن يحصل إلا إذا استمرت داعش في تشكيل كيانها الخاص بحيث يصبح هذا الكيان نواة الكيانات الأخرى التي ستتشكل تباعاً .. لذا تحولت هذه المخاوف إلى البحث في كيفية الحد من توسع هذا التنظيم وإلى كيفية مواجهته، وإلى القوى التي يمكن أن تقف في وجهه أو تمنعه من التمدد ومن التوسع والسيطرة على المزيد من البلدان والأراضي العربية.   

لم يكن من السهل وضع الخطط لمواجهة خطر توسع داعش وتمدد هيمنتها على الأراضي العراقية والسورية. فقد كانت القوى الإقليمية والدولية غير موحدة حول هذه الخطط، ولم تكن موحدة أيضاً حول أولوية مواجهة هذا التنظيم. ففي الوقت الذي تشكل فيه التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب (تنظيم داعش) واقتصرت عملياته على ضربات جوية لم تغير الكثير في ميزان القوى، وفي إضعاف تنظيم داعش ... ذهبت إيران بالمقابل وبالتعاون مع الحكومة العراقية إلى تقديم الدعم والسلاح للقتال الميداني وتحرير الكثير من البلدات والمدن في الموصل من يد هذا التنظيم. أما الدول الأخرى مثل تركيا على سبيل المثال فبقيت خارج إطار هذا التحالف ولم ترغب في الانخراط في هذه الحرب، لأن أولويتها كانت إسقاط النظام في سوريا قبل أي أولوية أخرى .. لذا أتاح هذا التباين في أولويات القوى الإقليمية والدولية من الحرب على داعش، أن يستمر هذا التنظيم في التقدم وفي القتال وفي تجنيد المقاتلين، وفي مواصلة تهديد وحدة الأراضي السورية والعراقية، وإثارة مخاوف دول أخرى محاذية لسوريا والعراق مثل الأردن ولبنان.

دفعت ممارسات داعش الدموية كعمليات الذبح والسبي والتهجير من دون أي تمييز بين المكونات الدينية والاجتماعية في المناطق التي سيطرت عليها إلى التفكير في استعادة تجربة الصحوات التي لجأت إليها إدارة الاحتلال الأمريكي للعراق لمقاتلة تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين". ففي تلك التجربة تم تسليح وتدريب وتمويل العشائر العراقية التي كانت داعش تعتبرها محايدة أو موالية في قتال الاحتلال الأمريكي أو في قتال الحكومة العراقية، وقد نجحت تلك التجربة في خلال سنوات قليلة في إضعاف نفوذ هذا التنظيم في وسط العشائر ما اضطره إلى الانكفاء وإلى تراجع عمليات القاعدة ضد قوات الاحتلال الأمريكي قبل أن يقرر الأمريكيون الانسحاب من العراق عام 2013.

على ضوء هذه التجربة من "الصحوات" التي حاصرت تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وأدت إلى تحقيق إنجازات ميدانية ملموسة في مواجهة هذا التنظيم، بدأ التفكير في إثارة البعد العشائري نفسه لمواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، الذي أدرك بدوره أهمية هذا المكون الاجتماعي في بلاد الشام فعمل منذ البداية على إستراتيجية مزدوجة تجاه هذه العشائر في كل من سوريا والعراق: التهديد وبث الرعب وقتل من لا يبايع أو يرفض التعاون، من جهة، ومن جهة ثانية استمالة بعض زعماء العشائر وبعض  قادتها وتحميلهم مسؤوليات ميدانية واجتماعية في المناطق التي وقعت تحت سيطرته.

ففي الموصل في العراق "تكاتف التنظيم مع فصائل عراقية أخرى منها الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين وجيش المجاهدين وجيش الراشدين وأنصار السنة. وكل هذه التشكيلات تجمع إسلاميين وضباطاً بالجيش وشخصيات عشائرية ومهنيين شعروا بالتهميش بعد سقوط نظام صدام. .. ومن الجماعات البارزة الأخرى جماعة جيش رجال الطريقة النقشبندية، التي خرجت من عباءة حزب البعث وأنشأها عزة إبراهيم الدوري نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في عهد صدام. .."([1])

وفي العراق دعم العديد من القبائل التقدم العسكري لتنظيم الدولة الإسلامية "كوسيلة للانتقام من الحكومة .. في حين أن قبائل أخرى نظرت إلى الدولة الإسلامية على أنها أداة لموازنة تطلعات الأكراد للسيطرة على أراضيها. ثم هناك قبائل قبلت داعش بهدف الحصول على مساعدته لمقاتلة القبائل التي استلحقتها الحكومة المركزية في بغداد .."

لقد أفاد تنظيم الدولة الإسلامية إلى حد بعيد من ضعف العلاقة بين القبائل وبين الدولتين المركزيتين في سوريا والعراق، فتودد إلى القبائل في المناطق المهملة عبر المفاوضات والمال كي يرسخ سلطته على هذه الأراضي .. ففي محافظة الرقة التي تحولت إلى المقر العام لتنظيم الدولة الإسلامية، لم يكن هناك وجود بارز للدولة السورية في المناطق القبلية .. وبدلاً من ذلك كانت القبائل مسؤولة عن أمنها  الخاص، على الرغم من إعلان ولائها للنظام. بيد أن صعود داعش أحيا دور زعامة شيوخ القبائل ومكن هذا التنظيم، الذي اعتمد عليهم من نسج شبكات سلطته على الأرض ..."

وما أن تمكنت داعش من تعزيز سيطرتها على محافظة الرقة، على سبيل المثال، حتى قامت بحملة دعائية كبيرة للحصول على مبايعة زعماء القبائل المحليين أو تأديتهم قسم الولاء لها. ونظمت المراسم في تشرين الاول/أكتوبر 2013، حيث أعلن 14 ممثلًا قبليًا وبشكل علني دعمهم "الدولة الإسلامية". نفس هذه القبائل وبنفس المراسم سبق وأعلنت ولاءها للرئيس بشار الأسد أثناء زيارته الرقة في شهر آب/أغسطس 2011..."([2])

ثمة عامل آخر ساعد تنظيم الدولة الإسلامية على تشكيل تحالفات محلية، يتمثل في أن القبائل والعشائر غالباً ما تتحالف مع الطرف الأقوى سعياً إلى حماية نفسها .. وهكذا حين سطع نجم داعش في سوريا اعتبرته القبائل أقوى من النظام وغيرت ولاءاتها تبعاً لذلك.([3])    

 وكنتيجة لهذا "لا يستطيع أي فريق الادعاء بأنه يتمتع بدعم كامل من كل أفراد القبيلة أو العشيرة. مع ذلك تبقى الروابط القبلية وإمكانية تحشيدها أمراً حاسماً وهذا يفسر كل الجهود التي يقوم بها كل المحاربين لكسب الدعم القبلي ..".([4])



([1]) رويترز، قناة الحرة: "زواج المصلحة بين داعش والعشائر.. طلاق حتمي" بعد حين 26/7/2015.

([2]) فيلكس لغراند: "إستراتيجية داعش الاستعمارية في سوريا" ،منشورات مبادرة الإصلاح العربي، القاهرة، تموز/يوليو 2014، ص6.

([3]) لينا الخطيب: "إستراتيجية تنظيم الدولة الإسلامية: البقاء والتمدد"، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، 29/6/2015.

([4]) فيلكس لغراند، المرجع السابق، ص6.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter