ملف خاص


الظواهر المجتمعية للثورات العربية


أميـــنة خـــيري
كاتبة صحفية في جريدة الحياة الدولية



رياح عاتية مصحوبة برمال صفراء ملبدة بغيوم سوداء تهب هباً على المنطقة! قد تكون مقدمة لفصل الربيع الذي يتعلم أبناء المنطقة في مدارس المنطقة أنه الفصل الذي تتفتح فيه الزهور، وتزقزق فيه الطيور. الطريف أن الغالبية العظمى من دول المنطقة يمر عليها الربيع مروراً جغرافياً بحكم تعامد الشمس على خط الاستواء، لكنه لم يكن يوماً ربيع الزهور والورود والطيور.

طائر السنونو الذي بات معروفاً في أرجاء المنطقة ليس بسبب المعلومات العلمية التي تؤكد أنه من الطيور الصغيرة المهاجرة، ولكن عبر قصيدة "طائر السنونو" الشهيرة التي تم التعبير عنها في فيلم شهير، رمزت إلى الفساد المتغلغل إلى الجذور، فصاحب القصيدة يبيعها ببضعة جنيهات لرجل الأعمال الثري ليدعي أنها من تأليفه، لزوم الـ "برستيج" الثقافي الذي يفتقده لجهله.

جهل رجل الأعمال وعنجهيته، وفقر الشاعر المثقف وجوعه وهو الذي باع نفسه وقلمه وبنات أفكاره لأول مشتر من أبرز العوامل التي أدت إلى اندلاع رياح وأعاصير الربيع العربي. وفي هذا العام الدراسي الذي شهد دخول بلدان عربية في مراحل انتقالية تتبع الثورات، واستمرار الفعاليات الثورية في بلدان أخرى، ومحاولات انطلاق شرارات عدة في بلدان مازالت تنتظر دورها، تجاهد ثورات الربيع العربي لتغير ما بالأقوام، لكن يقول الله في كتابه الحكيم {إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم}. (سورة الرعد).

في بلدان الربيع العربي، يعكف البعض على تغيير ما بأنفسهم، ويعكف البعض الآخر، إما على الإبقاء على ما بأنفسهم أو بالإبقاء على ما ظل طابقاً على أنفاسهم وأنفاس من حولهم.

رياح افتراضية

نسائم محاولات التغيير العربي كانت ومازالت افتراضية المنشأ، أي أن عبق الحرية هب على المنطقة عبر "عفاريت الإنترنت"، ومحاولات الإبقاء على الثورات حية، رغم المحاولات المستميتة لوأدها، تنبع عبر الشبكة العنكبوتية أيضاً.

عفاريت الإنترنت، تلك الانتفاخة الشبابية العربية التي دعت الدراسات والأبحاث إلى استثمارها لكن القادة لم يكتفوا بكبتها وقمعها، بل استخدموا ضدها السلاح الأكثر فتكاً ألا وهو التجاهل. عتاة الفكر ونخبة الساسة الذين نعتوا شباب الـ "فايسبوك" المصريين بـ "شوية العيال" وجدوا أنفسهم في "حيص بيص" بعد ما نجح "شوية العيال" في إسقاط نظام، أو فلنقل الإطاحة برأسه.

"شوية عيال"

ولو أن مصرياً أو عربياً أمعن النظر في بلورة مسحورة قبل بضع سنين، ثم تنبأ بأن "شوية عيال" سيقفون على قدم المساواة مع الرئيس السابق مبارك ضمن الشخصيات الأكثر موضوعاً للبحث على محرك "جوجل" الشهير لاتهموه بالخلل العقلي. وحتى قبل عامين مضيا، كنت إذا استوقفت مواطناً عربياً في الشارع، وسألته عن رأيه في "ديموقراطية الإنترنت" لرد عليك بنظرية "الغول والعنقاء والخل الوفي"، مضيفاً إليها ما تتحدث عنه باعتباره المستحيل الرابع.

اليوم أضحى المستحيل الرابع محركاً رئيسياً من العوامل المحركة للشارع العربي وللبيت العربي. والسطور التالية ليست من وحي الخيال أو من نسج خيوط العنكبوت الافتراضية، لكنها حدثت وعلى الأرجح يحدث مثلها بشكل أو بآخر يومياً في بيت عربي في بلد عربي ما.

عاد الزوج إلى البيت بعد يوم عمل طويل. توجه إلى غرفة النوم ليبدل ملابسه استعداداً لتناول وجبة العشاء، ليفاجأ بلافتة ضخمة مطبوعة على الكومبيوتر ومعلقة على المرآة تقول: "الزوجة تريد إسقاط العشاء".

ظنّ الزوج أنها دعابة، لكن وجه الزوجة لم يحمل أياً من إمارات الدعابة. باغتته بسيل من الجمل النارية: "أعود من عملي في الوقت الذي تعود فيه، وعلى رغم ذلك، أنا مُطالبة بالطهو وتجهيز العشاء ليكون ساخناً وقت تشريفك. أطالب إما بمشاركة منك في تجهيز الطعام، وإما بطلب وجبات جاهزة، وإما بإسقاط الوجبة برمتها".

الوضع تغير

انظر إلى أي سيارة أو فصل دراسي أو جهاز "لاب توب" (كمبيوتر محمول) في قاهرة المعز. لن يخلو أي منها من لافتة أو اثنتين تحمل مطلباً أو تعكس شعوراً أو تترجم رغبة، غالباً ما يكون حاملها غير قادر على الإعلان عنها طيلة الوقت.

مئات السيارات الملاكي التي يقودها نساء ورجال ينتمون إلى الطبقة المتوسطة التي ظلت تعاني صمتاً مزمناً وعدم قدرة على التعبير العلني طيلة عقود تجوب الشوارع، وعليها لافتات صغيرة تحمل العديد من الرسائل والقناعات.

سمر (43 سنة) كتبت قائمة من الأمنيات والطلبات التي لم تكن تجرؤ على التعبير عنها علانية، قبل ثورة يناير، خوفاً من سخرية من حولها، تقول إنها كتبت قائمة من الالتزامات على كل من شارك في الثورة ولو بالتأييد، "ذكرت عشرة مطالب منها عدم إلقاء القمامة في الشارع، وإلغاء منظومة الوساطة والمحسوبية، والامتناع عن دفع الرشاوى، وغيرها. وكنت حين أطالب، حتى أقاربي، بمثل هذه التصرفات ينظرون إليّ وكأنني قادمة من كوكب آخر، أما اليوم فالوضع تغيّر، ولو أردنا أن نعيد بناء المجتمع فلنبدأ بسلوكياتنا".

التربية والتعليم

سلوكياتنا تحمل وجهين، أحدهما تعليم والآخر تربية. ولما كانت التربية مهمة وثيقة الصلة بالأمهات، فإن الأم العربية عموماً والمصرية تحديداً تلعب دور البطولة هي الأخرى جنباً إلى جنب مع أبنائها من الشباب. كانت "ست الحبايب" كما غنت لها الراحلة الرائعة فايزة أحمد، ثم تحولت على يد السندريلا سعاد حسني إلى "مولاتي" التي "لها سلاماتي واحتراماتي وقبلاتي"، وفي منصبيها السابقين كانت تحصل على قبلة من ابنتها هنا، أو هدية من ابنها هناك تعبيراً عن الحب والامتنان والعرفان.

لكن اليوم، قد تحصل "ماما" على صاعق كهربائي هدية لتأمين نفسها في الشارع، وقد تجد رسالة مثبتة على باب الثلاجة صبيحة يوم عيد ميلادها يقول نصها: "كل سنة وأنت طيبة يا أمي. كان نفسي أشتري لك هدية، لكن ما باليد حيلة، وما بالجيب مليم". فقد فقد الابن وظيفته نتيجة المرحلة الارتباكية ومسماها العلمي "انتقالية". وقد لا تجد هذا أو ذاك، لكن تفاجأ برسالة تحمل توقيعاً من مجموعة شبابية يؤكدون لها فيها أنهم أبناؤها، وذلك بعد ما أصبحت أماً من دون ابن سقط شهيداً في ثورة هنا أو مجزرة هناك أو في انفلات أمني بات طبيعياً.

وكان من الطبيعي أن يكون أبرز معاول هدم الأنظمة الفاسدة التي ولدت جهلاً وأفرزت غبناً النظام التعليمي الذي عاقب طالبة الصف الأول الثانوي آلاء فرج بحجب نتيجتها لأنها كتبت في موضوع التعبير أن سبب أزمة مصر الاقتصادية هو الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش لتدخل أمريكا في شؤون مصر الداخلية، ولم يشفع لها إلا تدخل الرئيس السابق، هو نفسه النظام التعليمي الذي أورد سؤالاً في امتحان اللغة العربية يطلب من الطلاب كتابة برقية تهنئة للإخوان لفوزهم في انتخابات مجلس الشعب (البرلمان) وأخرى للإشادة بالمجلس العسكري!

 ويظل أحلى إنجازات الربيع في مجال التعليم، ليس إعادة زرع بذور النفاق وغرس  مبادئ الرياء، لكن في براءة التعبير وعفويته، حتى وإن كانت تعكس قدراً هائلاً من فشل النظام في تعليم الصغار مبادئ القراءة والكتابة. سؤال التعبير في امتحان نصف العام للصف السادس الابتدائي جاء عن واجب الطالب تجاه الأم، فما كان من أحد الطلاب إلا أن كتب السطور التالية: "الأم واجبك عليه تعمل لنا الأطعمة، وتلبسنا وتأكلنا الطعام وتعمل لنا روز ولحمة. وتنزل الأم السوق وتجيب روز ولحمة وسبانخ. وتحمينا بالسابونة والليفة، وتدينا فلوس، وتجيب لنا الأدوات، وتهتم بكل شيء. وصلى الله على سيدنا محمد".

مبدئياً المطلوب كان أن يكتب الطالب عن واجبه تجاه الأم، وليس العكس. لكن الأهم من ذلك، ومن ركاكة المستوى اللغوي والإملائي، هو أن كلمات الطالب المذيلة بالصلاة على سيدنا محمد تعكس اعتماداً كلياً على الأم باعتبارها عمود البيت والممول الرئيسي، إن لم يكن الأوحد فيه.

امرأة الربيع

النساء، المنعوتات تارة بـ "ألطف الكائنات" وتارة أخرى بـ "العورات المتنقلة" وثالثة بعمود البيت وأساسه يعشن حالياً أياماً عصيبة بعد ما تحولت رياح الربيع العربي إلى سيوف مسلطة على رقابهن!

تنتحب أمهات الشهداء في مصر في ميدان التحرير، وتعيش التونسيات هاجس فقدان حقوق اكتسبنها في ظلّ النظام السابق، وتترقّب الليبيات مستقبلاً مجهولاً، وتتساءل الكويتيات عن مصير حقوقهن المكتسبة، وتطالب اللبنانيات بحقوق يعتبرنها بديهية كحقهن بالجنسية لأبنائهن، وتتحسس السعوديات الطريق نحو نيل حقوقهن، وتشعر العراقيات بقلق تجاه وضع المرأة في ظلّ دستور يرسّخ الطائفية.
وفي ظلّ لائحة هموم تطول تعبيراً عن واقع المرأة العربية، تحاول مجموعة عربية متعددة الجنسيات جاهدة رسم خريطة طريق للانتقال بالنساء العربيات إلى "صيف مثمر".

فعلى رغم أن المرأة العربية لعبت دور البطولة مناصفة مع الرجل في الربيع العربي، إلاّ أن واقع الحال أشار إلى أنها كانت في طليعة من تم العصف بهن وإقصائهن عقب انتهاء الثورات، مرة بحجة أن أولويات المرحلة الراهنة لا متسع فيها لحقوق المرأة، ومرة بدعوى أن المرأة مكانها البيت ويمثلها زوجها أو أخوها أو أبوها أو نائبها في البرلمان!

ويبدو جلياً أن الجدل الشديد المتوقع في كل ما يختص بثالوث الدين والسياسة والمرأة، لا يمكن حسمه لمصلحة الجميع، إلا بتضمين الحقوق في الدساتير الجديدة والمعدلة حتى لا ينفرد تيار ما أو أصحاب أيديولوجية بتفسير الحقوق وفق مفاهيمهم الخاصة. ولعل المأزق المصري الذي بدأ بفخ تشكيل لجنة ذكورية بحتة ينتمي بعضها إلى تيارات دينية سياسية لسنِّ تعديلات دستورية تم استفتاء المصريين عليها لتجد المرأة المصرية نفسها، ومعها الكثير من الحقوق المدنية، في خطر.

إلا أن الدستور منفرداً كما القوانين وحدها لا تضمن حقوق النساء (أو غيرها من الحقوق)، مثلما يظهر في التجرية العراقية، فرغم أن نسبة تمثيل المرأة في البرلمان العراقي بلغت ما يزيد عن 26 في المائة، إلا أنه لوحظ تراجع مشاركة المرأة في تقلّد المناصب الوزارية والعليا.

وبعيداً من حديث النخب وخبراء الدساتير والقوانين والمشاركة الحزبية في الحياة السياسية، يتحدث المشهد الانتخابي الرئاسي المصري عن وضع المرأة الحاضرة الغائبة.

على عرش الانتخابات

فبقلوبهن المتسامحة، وإرادتهن التي لا تنكسر، وعزمهن الذي لا يلين، تم تنصيب نساء وشابات مصر على عرش طوابير الانتخابات الرئاسية، ومن قبلها البرلمانية.

المشهد الانتخابي الظريف اللطيف الجميل كان السمة الظاهرة في انتخابات الرئاسة. نقاب أسود ممتزج بألوان الأصفر والأحمر والأزرق من أرقى بيوت الأزياء الباريسية متداخلة برمادية زي الراهبات المكلل بالبيج والبني ألوان الخمار الرائجة، جميعها شكل لوحة موزاييك رائعة أمام اللجان الانتخابية نصبت المرأة على عرش الساحة السياسية.

وهو تنصيب غير قابل للتزوير أو المزايدة أو النفاق، لاسيما أنه جاء عقب سلسلة من الجهود العاتية التي بذلها الجميع طيلة الأشهر الماضية لإقصاء المرأة وسلبها حقوقها والانتقاص من كرامتها والتقليل من شأنها. فرغم جهود برلمانية لإعادة عمليات الختان المجرمة، وتخفيض سن الزواج للسماح بزواج الطفلة الأنثى، وإلغاء قانون الخلع، وإخضاع الفتيات والنساء المحتجزات في اعتصامات وتظاهرات لكشوف عذرية، ناهيك عن إقصاء النساء من التشكيلات الوزارية المتعاقبة، ولجان وضع الدستور المتعثرة وشيوع فتاوى الحجاب والنقاب وضرورة عودة المرأة إلى مكانها الطبيعي في البيت، خرجت نساء مصر وكأن كل تلك المحاولات الإقصائية زوابع في فناجين اعتدنها.

زوبعة دستورية

أحد أبرز الزوابع المرتقبة هو زوبعة الدستور الذي تم إقصاء المرأة منه قلباً وقالباً. ووفق ما تؤكد مستشارة النوع الاجتماعي في شركة «شيفولوشون» البريطانية ليزلي عبد الله منذ هبوب رياح التغيير العربية، فإن أحد المخارج من المأزق المعتاد في الثورات والصراعات التي تلعب فيها المرأة دوراً فاعلاً لتجد نفسها عقب انتهائها مطالبة بالعودة إلى الحظيرة هو “الكوتا” في التمثيل البرلماني، ولو لفترة زمنية محددة. تقول عبد الله: "على النساء في مناطق الصراعات والثورات والتغييرات الكبرى أن يحصلن على شيء ما الآن، وإلا سيجدن أنفسهن مضطرات للانتظار مئة سنة أخرى".

وفي حين تترقب النساء العربيات، منهن من مواقع نضالهن لنيل حقوق طال سلبها، وأخرى يجري اغتصابها، وثالثة عصية على التحقق، ورابعة رجعية لكنها تعرب بالواو لأنها جمع مذكر سالم، يقف جمع التكسير ليحتل مشهد الصدارة في ربيع مصر الثوري.

فضائيات الربيع

ورغم أن "برامج" هي جمع تكسير لأنها ليست عاقلاً، إلا أنها باتت تشكل وتوجه وتحدد عقول الملايين في زمن الربيع! برامج الـ "توك شو" تحولت إلى ضيف مزمن في غالبية البيوت. ساعات لا تنقطع من متابعة أخبار الربيع العربي، نجمت عن أشهر لا تقل طولاً من التحسر على ما آل إليه الربيع المرتقب من برد شتوي قارس تكتنفه الفوضى وصيف حار ينذر بقدر من العنف. قتلى في سورية، كر وفر في اليمن، فوضى في مصر، هدوء ينذر بأزمة في ليبيا، مشاحنات في تونس، والقائمة طويلة! وحين يجد المشاهد نفسه مرابطاً أمام هذه الصور، فإن مشاعر الضيق، وأحاسيس الغضب، وبوادر الأزمات النفسية، تتمكن منه شاء أم أبى.

القنوات المصرية صنعت وجوهاً للثورة! لكن شباب الثورة من نجوم الـ "توك شو" لم ينعموا بهذا الوصف لفترة طويلة، فمنذ بدأوا يقسمون أنفسهم إلى ائتلافات ومؤسسات وأحزاب، باتت كل مجموعة شبابية يُستعان بها لتعبر عن آرائها التي لا تخلو من نقد وذم في الاتجاهات الأخرى المنبثقة من ميدان التحرير.

ويشهد الشارع كذلك بزوغ ظاهرة أخرى اسمها الضيف النجم، ويكون عادة من خبراء السياسة والأمن والمال والاقتصاد والقانون الذين يتبارون يومياً في استعراض نظرياتهم المولودة من رحم الثورة.

نظريات أخرى أقل جدية، لكنها تعكس قدراً أكبر من الشعبية والانتشار، بالإضافة لكونها أحد أبرز أدوات البقاء على قيد الحياة. إنه سلاح النكتة. لكن نكتة ما بعد الربيع العربي تلونت بألوانـه. صارت أكثر حـدة، وأعمق معنى، و ... غارقة في السياسة. فـ "المرحلة الانتقالية" تحولت إلى "الارتباكية" وبعد تأزم الأمور أكثر صارت "الانتقامية"، والرئيس "التوافقي" الذي كان مقترحاً قوبل برفض قاطع، وسخروا منه بتحويله إلى "تشاركي" تارة لاشتراك غير تيار فيه، و"تنافقي" تارة أخرى لحجم النفاق السياسي الظاهر على السطح. وبدلاً من رفع شعار "الثورة مستمرة" تحول بعد عام ونصف من الانتظار إلى "الثورة متنيلة بنيلة مستمرة". وبسبب هذه النيلة، وجد المصريون أنفسهم أمام خيارين في الانتخابات الرئاسية أغضبا الكثيرين، فغنوا :لا اخترناه ولا بايعناه! نجح إزاي سبحان الله"، وذلك بعد ما شاهد العالم مناظرة تاريخية بين مرشحين كانا الأقوى في السباق، فانتهت المناظرة لصالح مرشح ثالث، وانتهت الجولة الأولى من الانتخابات بالإعادة لمرشحين آخرين!

حالة الشارع الملتبسة تنعكس تماماً في تلك القصة الخيالية المتداولة عنكبوتياً وواقعياً. إذ يقال إن مجموعة من التيارات السياسية مرت بفتاة تغرق، السلفي رفض أن يمد يده لأنه متوضئ، في حين أصر عضو جماعة "الإخوان المسلمين" أن يعود لطلب استئذان المرشد قبل إنقاذها، في حين سارع شاب من "حركة 6 أبريل" إلى عمل وقفة صامتة، ونصحها الليبرالي بأن تخلع ملابسها حتى تكون خفيفة وتقب على سطح المياه. في الوقت نفسه، دمعت عينا رئيس الوزراء وهو يعلل بطء الحكومة في إنقاذها بأن الجهات المختصة لم ترسل العوامة اللازمة، وتساءل: هل لو ماتت تكون غريقة أم شهيدة لإبلاغ المجلس القومي لضحايا الثورة ومصابيها ؟ أما المجلس العسكري فشكّل لجنة تقصي حقائق لمعرفة الطرف الثالث الذي دفعها في المياه، وتساءل حزب الكنبة مشككاً في أخلاقيات الفتاة ونواياها وعما جعلها تذهب صوب المياه أصلاً ؟ وتتراوح نهاية القصة بين نهاية ثورية تؤكد أن أحد الثوار الشرفاء قفز في المياه لإنقاذها، في حين تشير النهاية الشعبية إلى أن الفتاة "ماتت كما يموت غيرها، والله يرحمها".

رحم الله الجميع !ِ

يقول أحدهم للآخر: "ومنذ وقع الشهداء، نهتف: يا نجيب حقهم (الشهداء) يا نموت زيهم"، فيسأله الثاني: "وجبتوا حقهم؟"، فيأتي الرد: "لأ، بنموت زيهم". 

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter