المــلــف الثقــافـي


هل هناك موسيقى عربية ؟


المايســترو ســـليــم ســـحاب
قائد اوركسترا وناقد وباحث ومؤرخ موسيقي - لبنان



منذ أن عرفت الحضارة العربية الموسيقى .. وهذا النشاط الفني يتناقله الشعب العربي شفاهيًا، وينتقل معه حيث ذهب. فوصل معه إلى الأندلس حيث نمت شجرته وظللت أوروبا بأسرها بإنجازاتها العظيمة، إن من الناحية الإبداعية الموسيقية والغنائية أو من ناحية صناعة الآلات الموسيقية. وظلت الموسيقى العربية على هذا الحال: مزاج موسيقي عام للشعب العربي يكبر وينمو من ناحية، ومن ناحية أخرى تراث يضمحل ويختفي جزء منه ويعوض بغيره مع تعاقب الأجيال، وذلك لعدم وجود التدوين الموسيقي والجمع العلمي لهذا التراث. إلى أن وصلنا إلى القرن التاسع عشر وبدأ تأثير الحضارة الأوروبية يظهر بكل أبعاده. وظهرت معه ضرورة التدوين والتنظيم وجمع التراث. وأصبح كل هذا ضرورة  ملحَّة جدًا في القرن العشرين بعد أن تحولت الموسيقى في بلادنا إلى علم يُدرَّس في معاهدنا إلى جانب العلوم الأخرى. فكثرت الآراء في الموسيقى العربية وأصبحت بعدد دارسيها، هذا مما زاد الوضع بلبلة لم تعرفها الموسيقى الأوروبية لأنها، ومنذ زمن بعيد، استخلص علماؤها قواعدها ونظرياتها وحولوها إلى مواد دراسية في المعاهد أمّنت التواصل الحضاري بين الأجيال، الذي أمَّن بدوره التطور الموسيقي العظيم الذي عرفته الموسيقى الأوروبية جنبًا إلى جنب مع تطوُّر وازدهار صناعة الآلات الموسيقية على مدى سبعة قرون تقريبًا.

إن هذه الفوضى التي تعيشها الموسيقى العربية من ناحية الجمع والتنظير والتصنيف واستخلاص القواعد وصلت إلى حد السؤال: هل هناك موسيقى عربية ؟. هذا السؤال لا يطرح نفسه (كما يقال عادة)، بل يطرحه موسيقيون معروفون عاملون في الحياة الموسيقية العربية وفي أكثر من بلد عربي، وجوابهم على هذا السؤال بالرغم من خطورته بسيط: ليس هناك موسيقى عربية. إن ما يعرف بالموسيقى العربية ما هو إلا موسيقى تركية.

إذا حللنا هذا الكلام علميًا وعمليًا نرى أنه لا ينتمي إلى الحقيقة بشيء. فالتاريخ وكتبه والمراجع العربية الكثيرة، ونذكر منها على سبيل المثال فقط كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني تصف بإسهاب حياة العرب الموسيقية الشديدة الثراء ومجالسهم الموسيقية التي كانت تضم عازفين ومغنيين بالمئات، كل هذا قبل ظهور الشعب التركي كأمة وحضارة. هذا ناهيك عن الحضارة العربية في الأندلس التي تركت آثارًا هائلة وتأثيرات لا تحصى، بل هي كانت الأساس الرئيسي التي قامت عليها حضارة الغرب لغاية نهاية عصر الباروك (القرن السابع عشر). فهل يُعقل بعد حضارة موسيقية امتدت لألف سنة تقريبًا من المحيط إلى الخليج وقبل ظهور الأمة والدولة التركية وحضارتها، هل يعقل ألا تترك هذه السنون الألف أي أثر حضاري تراكمي في تكوين الشعب العربي الوجداني ؟. هل من المعقول منطقيًا أن تمر هذه السنون دون أن تضع مزاجًا موسيقيًا واضحًا وشخصية موسيقية محددة عند الشعب العربي ؟. صحيح أن الموسيقى العربية التي كانت في العصور الأموية والعباسية والأندلسية لم تصلنا بسبب الطابع الشفاهي لتناقلها ولسبب عدم تدوينها ولكن من الثابت علميًا وتاريخيًا أنها كانت موجودة، بل وساهمت مساهمة كبرى في تأسيس الحضارة الموسيقية الأوروبية. من هنا نقول إن الأمة العربية كانت ومازالت أمة موسيقية كبرى، وأن التأثير التركي (الذي لا شك فيه) لم يأتِ على فراغ، بل على نتاج ومزاج ألف عام من الحضارة الموسيقية والشخصية الموسيقية الواضحة المعالم قبل ظهور تركيا كأمة وشعب. وبهذا جاء تأثير الموسيقى التركية تلوينًا وإضافة إلى حضارة موسيقية عمرها ألف عام.

إن التاريخ الإنساني يؤكد أن لا وجود لحضارة نقية عرقيًا. فالحضارات كالمجتمعات: تتشابك وتتزاوج وتتوالد من بعضها، وإلا إذا استعملنا هذا المنطق لقلنا أن ليس هناك لغة إسبانية لأن نصف كلامها عربي والنصف الآخر لاتيني، ولقلنا أيضًا أنه ليس هناك أساسًا حضارة أوروبية حديثة لأنها مكوَّنة من الحضارة الأندلسية والحضارة الإغريقية. وحتى هذه الحضارة الإغريقية التي يصر الغرب على أنها الأسبق تاريخيًا لهدف عنصري واضح وهو تثبيت مفهوم احتكار أوروبا للحضارة، فمن يراجع كتاب "وصف مصر" لمجموعة العلماء الفرنسيين الذين واكبوا حملة نابليون بونابرت على مصر في أواخر القرن الثامن عشر، أقول من يراجع الجزء السابع من "وصف مصر" يستطيع أن يطّلِع على أسماء الفلاسفة والفنانين والعلماء الإغريق (ومن ضمنهم فيثاغورس وتاليس الشهيرين) الذين تعلموا على يد الأساتذة المصريين القدماء ونقلوا إلى بلادهم الفنون والعلوم المصرية بشكل ساهم مساهمة فعالة وعميقة لا جدال فيها في خلق وتطوير الحضارة الإغريقية والأوروبية الحديثة لاحقًا.

إذًا ليس هناك حضارة نقية عرقيًا، وإلا سنصل إلى أمثلة مضحكة، كأن نقول إن أدب نجيب محفوظ ليس عربيًا لأن الرواية بشكلها الحالي نوع من أنواع الأدب الأوروبي، أو أن نقول إن أدب توفيق الحكيم ليس أدبًا عربيًا أيضًا لأن المسرح في شكله هنا فن إغريقي الأصل. إن منطق القائلين بأن ليس هناك موسيقى عربية هو منطق غير صائب ومنافٍ للواقع والتاريخ الحقيقي. فحتى الكتابة في القوالب الموسيقية التركية كاللونجا مثلًا، وهي بالمناسبة ذات أصل بلغاري أوروبي، فكلمة لونجا تعني باللاتينية: طويلة، أقول إن الكتابة في القوالب الموسيقية التركية لا يعني أن هذه القوالب ألغت شخصية الملحن العربي والموسيقى العربية وحولتها إلى موسيقى تركية. لقد كان المضمون الموسيقي والانفعالي والوجداني والإنساني لهذه القوالب التركية ومازال عربيًا صرفًا. أين الطابع التركي في لونجا نهاوند لرياض السنباطي ومعزوفة ذكرياتي لمحمد القصبجي (الذي له تمثال كبير في المعهد الموسيقي في إسطنبول). أين الطابع التركي في معزوفات محمد عبد الوهاب التي يتعدى عددها الستين والتي طور فيها الكثير منها (خاصة في تلك التي ألفها في الثلاثينيات من القرن العشرين) القوالب التركية الجامدة شكلاً ومضمونًا، ووصلت إلى مستوى من العبقرية التأليفية والفكرية والموسيقية التطويرية والجمالية مكانًا لم يصله أحد، أتراكًا وعربًا، لغاية الآن، بالرغم من قصرها (ثلاث دقائق) وبالرغم من مرور أكثر من ثمانين عامًا تقريبًا على تأليفها. ونذكر من هذه المؤلفات على سبيل المثال لا الحصر: فانتازيا نهاوند (1933) شَغَل (1935) فكرة (1933) ألف ليلة (1937) ألوان (1935) عتاب (1935) فرحة (1935) لغة الجيتار (1935) نشوتي (1935)، وكان أول من أدخل الدراما الموسيقية والإنسانية إلى هذه المعزوفات كما في معزوفة المماليك (1948).

أين الطابع التركي في الأعمال الغنائية لسيد درويش الذي استخلص من غناء الشعب في المدن الموسيقى المصرية العربية الصرفة. أين هذا الطابع الدخيل في أعمال زكريا أحمد ورياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب الغنائية، وفي التفكير الفذ لمحمد القصبجي وألحانه وقوالبه الغنائية الجديدة التي ابتكرها، وأخص بالذكر آخر اثنين: محمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب، اللذين استوعبا الموسيقى الكلاسيكية الغربية من خلال ترددهما المستمر على مسرح دار الأوبرا والاستماع إلى كل ما تقدمه من فرق وافدة: من أوركسترات سيموفنية وفرق أوبرا إيطالية وغيرها، ما جعلهما يتربعان على عرش الاستفادة الهائلة من هذه الحضارة الموسيقية الغربية ويخلقان تركيبًا مدهشًا (Synthese) بين الموسيقى العربية والموسيقى الغربية الكلاسيكية.

أين الطابع التركي في أعمال فريد الأطرش ومحمد فوزي ومحمود الشريف ومحمد الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي، هذا المصري لنخاع العظام. أين هذا الطابع في المدرسة الموسيقية اللبنانية الحديثة التي جاءت أساسًا تركيبًا من اللون المصري واللون البدوي المشرقي مع الموسيقى الكنسية السريانية والبيزنطية في تراث زكي ناصيف والأخوين رحباني وتوفيق الباشا وخالد أبو النصر وحليم الرومي وسامي الصيداوي ونيقولا المنِّي وفلمون وهبي.

إن القالب المعروف بالموال هو قالب معروف من العصر العباسي، كما أن الموشح هو قالب عربي صرف شعرًا وقالبًا وموسيقى، كذلك قالب الدور (الذي ما زال يُقلَّد مع الموشح في تركيا لغاية اليوم) هو قالب غنائي عربي مصري صرف. كذلك الطقطوقة والقصيدة والمونولوج الذي استوحي من الآريا الأوروبية وهي قوالب عربية الشكل والمضمون والمزاج والشخصية. ونتوج كل هذه الأمثلة بالمسرح الغنائي العربي ذي الشخصية الموسيقية العربية البحتة وإن استلهم قالبه من المسرح الغنائي الأوروبي.

وللتاريخ أيضًا كلمة يقولها في هذا الموضوع، بعد ما احتل السلطان محمد الفاتح القسطنطينية، وبعد أن دانت البلاد العربية للحكم العثماني، عمد السلطان سليم إلى استقطاب العلماء والحرفيين والفنانين العرب من بلادهم إلى إسطنبول وساهموا في وضع بداية الحضارة العثمانية الإسلامية. فكان فضل الأستانة هو جمع الموسيقى العربية ومقاماتها وإيقاعاتها المختلفة من جميع البلاد العربية الخاضعة لها في بلد واحد. وهكذا فإن التأثر بالموسيقى التركية كان على طريقة "بضاعتنا رُدَّت إلينا"، مع نكهة محلية تركية في البداية.

ولو كان مستوى الموسيقى في تركيا وصل لمرحلة الاكتفاء الذاتي لما كانت السلطة التركية تستعين بالفنانين العرب الكبار لإحياء الاحتفالات الرسمية في إسطنبول وكان آخرهم عبده الحامولي ومحمد عثمان والشيخ زكريا أحمد، أي حتى انهيار السلطنة العثمانية.

إن التأثر بحضارة الآخرين وارد منذ الأزل. فكما بدأنا بحثنا نكرر، أنه ليس هناك صفاء عرقي في الحضارات. فالحضارة الإنسانية هي حصيلة مساهمات جميع الشعوب. إنها كالتراث الشعبي: غير معروفة المصدر في كثير من الحالات. وهنا بالذات تكمن عظمتها الإنسانية. فلو كانت ذات طابع واحد لكانت أصيبت بفقر قاتل. إن عظمة الحضارة الإنسانية تكمن في مساهمة جميع الشعوب فيها كل بطابعه القومي الصرف وشخصيته المميزة وميزاته الشعبية القومية الخاصة.

إن تأثر العلماء والفنانين الإغريق بعلوم وفنون مصر القديمة لم يمنع هذا الشعب من هضم الحضارة المصرية وطبعها بطابعه القومي الخاص وتحويلها مع الزمن إلى حضارة ذات شخصية يونانية قومية صرفة. كما أن كون اللغة الإسبانية مزيج من اللغتين العربية واللاتينية لم يمنع هذا الشعب من عجن هذين العنصرين بطابعه القومي الخاص ليحوله إلى لغة جديدة لها شخصيتها المختلفة تمامًا عن اللغتين السابقتين.

كذلك فإن الحضارة الأوروبية الحديثة التي جاءت تركيبًا من إنجازات الحضارة العربية الأندلسية والحضارة الإغريقية تحولت بفضل جهد أبنائها وعباقرتها إلى حضارة جديدة لها شخصيتها المختلفة تمامًا وأصبحت عنصرًا فعالًا ومؤثرًا في تطوير حضارات الشعوب الأخرى.

نفس المنطق ينطبق على بعض عناصر الموسيقى التركية التي دخلت إلى الموسيقى العربية العريقة بتاريخها وشخصيتها المميزة وبمزاج شعبها. لقد هضم الشعب العربي هذه العناصر الدخيلة وحولها بمزاجه بعد هضمها إلى عناصر عربية صرفة بعيدة كل البعد عن طابع وشخصية الموسيقى التركية المعروفة حاليًا.

أخيرًا، حبذا لو أن موسيقيينا غير المقتنعين بوجود الموسيقى العربية، حبذا لو أنهم ينكبون على دراستها ومعرفتها والاستمتاع بها حتى ينضموا إلى قافلة المؤمنين بها والعاملين على تطويرها، وذلك كي لا تذهب جهودهم هباءً كالنحت في الماء، خاصة أن عصرنا هذا وسرعة تطوره لا يسمح بهدر أية طاقة ولو فردية مهما صغرت من طاقات أبناء شعبنا العربي.

 

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter