دراســـات


واقع تمكين الشّباب في سياسات التنمية العربية وتحدياتها


مصباح الشيباني
استاذ وباحث في علم الاجتماع



المقدمة

دخل العالم عقد التّسعينيات من القرن الماضي بمعالجة أكثر شمولًا للبعد البشري في التنمية، وهو ما يطلق عليه "رأس المال البشري"، وتزايد الاهتمام بهذا البعد ليس باعتباره أداة أساسية للتنمية فقط، بل باعتباره الغاية والهدف النهائي لها. وقد مكّنت تقارير التنمية البشرية خلال السنين الماضية الدول والمنظمات في المنطقة العربية من رصد مقتضيات التنمية البشرية، ومن توسيع التخوم الفكرية لها، حيث قامت هذه التقارير بدور مُحفّز لا غنى عنه في المساعدة على تأطير البحوث وتطوير الندوات العربية والدولية كردود ملموسة على فشل سياسات التنمية المتبعة في الوطن العربي.

لهذا، رأينا أن هناك حاجة إلى قراءة هذه التقارير "كمدخل" منهجي وتطبيق عملي لرصد واقع "تمكين" الشّباب العربي ضمن ما يسمى بـ "استراتيجيات" التنمية العربية سواء على المستوى القومي أو على المستوى القُطري، على الرغم من أن الانصهار الكامل بينهما غائب، والتنسيق بين ما هو نظري وما هو عملي أمر نادر في هذه السياسات، ولكنه مع ذلك أصبح ضروريًا أكثر من أي وقت مضى.([1]) 

إنّ المقاربة السوسيولوجية لتمكين الشباب هي عبارة عن "نموذج إرشادي" (un paradigme) لا تنظر إلى الشباب على أنهم ذوات ضعيفة أو أنهم أفراد لا يستطيعون أن يشاركوا في عملية وضع المخططات التنموية، بل تنطلق من مسلمة وهي أن هذه الفئة الاجتماعية باعتبارها رأس مال بشري مهم في التنمية إذا تم تدريبها وتهيئتها وتحفيزها على الانخراط والمشاركة في إعداد السّياسات التنموية وتنفيذها.([2]) لذلك، تتوقف عملية التمكين للشباب العربي على طبيعة المناخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يتميز به المجتمع، وعلى مدى وجود مؤسّسات سياسية ومدنية مثل الأحزاب والجمعيات ومؤسسات الإعلام التي تتولى تأطيرهم وتدريبهم على الانخراط في الاهتمام بالشأن العام للمجتمع.

ماذا نعرف عن الشباب ؟ وإلى أي مدى يمثّل الشّباب جزءًا من المشكلة وكيف نحولهم إلى جزء من الحل ؟ وما هو موقعهم في الحقل السياسي والثقافي والتربوي ؟ وما هو حجم عضوية الشباب العربي في مؤسسات المجتمع المدني )الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات) التي تمكنهم من التعبير عن مشاغلهم؟

أولاً- خصائص البيئة التّمكينية للشّباب العربي في التنمية

يستخدم تقرير التنمية البشرية مفهومين هما: الاستبعاد والإدماج كإطار لفهم البيئة التي يعيش فيها الشباب. ويشمل الاستبعاد الاجتماعي طرفين: الطرف الذي يقوم بالاستبعاد، والطرف المُستبعد. ويمكن قياس هذا الاستبعاد بظواهر اجتماعية مثل البطالة وجرائم الشباب المختلفة وتعاطي المخدرات ... إلخ. أي أنه من خلال الاستبعاد لهؤلاء الشباب وعدم مشاركتهم في مشاريع التنمية يتحولون إلى عوائق أمام التنمية.

ورد في تقرير التنمية لعام 2004 أن الشباب العربي يعيش في تنظيم مجتمعي يحمل بذور "وأد الحرية". إذ يمكن تشبيه هيكل التنظيم المجتمعي في البلدان العربية على شدة تنوعه وتعقد تركيبه بسلسلة متشابكة الحلقات تبدأ من التنشئة في نطاق الأسرة مرورًا بمعاهد التعليم وعالم العمل والتشكيلة المجتمعية، وانتهاء بالسياسة في الداخل والخارج حيث تقتص كل حلقة من الفرد قسطًا من الحرية وتسلمه مسلوبًا ذلك القسط من الحرية إلى الحلقة التالية، ويشكل تكامل الحلقات هذه نظامًا قسريًا عالي الكفاءة.([3])

كما حدّد "تقرير تحديات التنمية في المنطقة العربية لعام 2011" ثلاث دوائر من الحرمان في المنطقة العربية.([4]) حيث تمثل هذه الدوائر "الحلقة المفرغة"، وهي:

1- دائرة الحرمان والتهميش الاجتماعي بكل ما فيه من تراجع لكم ونوع رأس المال الاجتماعي من صحة وتعليم ونظم الحماية الاجتماعية.

2- دائرة التّهميش الاقتصادي المعبّر عنه في تراجع فرص العمل المنظمة والمحمية، وتراجع مستوى الدخل والأمن الغذائي نتيجة هيمنة الاحتكار، وكذلك نتيجة تآكل فرص العمل في القطاع العام والخاص المنظم، وتزاحم الشباب الريفي على فرص العمل الموسمية والمؤقتة في قطاع البناء والخدمات وعجز السياسات الكلية عن مجاراة التغيرات التي وقعت لدى الشباب العربي.

3- دائرة التّهميش السياسي والحكم بكل أبعادها وخصوصا في ما يتعلق بحوكمة التنمية، فالمؤسسات السياسية شديدة المركزية لا تعتمد في تنظيمها أو تسييرها الحد الأدنى من الشفافية والمساءلة والمحاسبة، وهذا البناء المؤسساتي الهش يساهم في تعميق دائرتي الحرمان الاجتماعي والاقتصادي.

كما بين تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009 أن النهج المعتمد كان دائمًا يقضي بالتركيز على أمن الدولة أكثر منه على أمن الناس. ويرى هذا التقرير أن العقبات التي تعترض سبيل التنمية العربية تكمن في هشاشة البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وفي افتقارها إلى سياسات تنموية تتمحور حول الناس، وفي ضعفها حيال التدخل الخارجي. فعندما تلكأت الحكومات العربية في تطوير عقد اجتماعي جديد قائم على تمكين الشباب ومشاركتهم في الشأن العام، وعلى أثر سياسة التهميش والحرمان في الدوائر الثلاث، قام الشباب العربي بفرض هذا التغيير على اختلاف طرقه السلمية والعُنفيّة.

ثانياً- واقع تمكين الشباب حسب تقارير التنمية الإنسانية العربية

لقد أصبحت تقارير التنمية الإنسانية العربية مخططًا استراتيجيًا يضع برنامج الأمم المتحدة على أساسه برنامجه في الدول العربية، وتسترشد به مشاريع التنمية النابعة من أولويات المنطقة وقدراتها وأهدافها.  وتشكل هذه التقارير منظومة معرفية مهمة لواقع الأقطار العربية في القضايا التي تطرقت إليها، فهي تؤشر إلى مكامن الخلل الذي انتاب سياسات البلدان العربية حتى بلغتها موجة الانتفاضات الشعبية، ووقعت بين نيران كثيرة، بعضها حارق داخلي، والآخر مبيد خارجي.

وتشترك تقارير التنمية الإنسانية العربية منذ صدور أول تقرير عربي عام 2002 مؤسسات وخبراء ومواطنين في مختلف الأقطار العربية في البحث والتحليل والمناقشة بشأن العوامل التي تحدّد الخيارات التنموية العربية والمساحة المتاحة للإنسان العربي في المنطقة. وتحدّد هذه التقارير أيضا الفئات المحرومة والمهمّشة داخل المنطقة العربية، وتستهدف أساسًا صانعي القرار وواضعي السياسات وقادة الرأي والمجتمع المدني المعنيين بالبحث في سبل تغيير واقع الأمة نحو مستقبل أكثر إشراقًا.



([1])Wallenstein Nina, Empowerment and Health, The Theory and Practice of Community, Community Development Journal, Oxford University Press, 1993, p.73.                                  

([2])   Marie Overbuy, Well participation, Encyclopedia of social Work, 1995, p. 488.                    

([3]) تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2004.

([4]) صحيفة وقائع من السنة الدولية للشباب 2010/2011.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter