عروض كتب


العولمة وأثرها على العالم العربي "مشروع الشرق الأوسط الكبير"


أحمد محمد سعيد
باحث مصري



بدأ القرن العشرين بالحرب العالمية الأولى وانتهى بانهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط النظم الشيوعية في أوروبا الشرقية وتدمير العراق وانفراد أمريكا بصفة القوة العظمى الوحيدة في العالم، فبأي حدث وأي سقوط سينتهي هذا القرن، القرن الحادي والعشرون ؟.

فإذا تأملنا إلى أحد أهم الأسباب وراء انهيار الشيوعية وسقوط الماركسية فكان وراءها سبب واحد أنها كانت غير إنسانية، والعولمة نفس الشيء سوف تسقط أيضًا لأنها غير إنسانية، تحاول أن تخلق مجتمعًا كبيرًا متوحشًا، يأكل الضعيف، مجتمع لا تحكمه سوى قوانين الاقتصاد ووحدانية السوق، فقديمًا كان السائد هو الهيمنة الاجتماعية أو العرفية ثم جاءت الهيمنة العسكرية وما تلاها من انتشار لظاهرة الاستعمار بهدف السيطرة على الأرض والممتلكات إلى أن وصلنا إلى الهيمنة الأمريكية التي استأثرت وسيطرت على حركة العالم تحت مسمى العولمة القديمة الجديدة.

والكتاب مقسم إلى خمسة فصول، يناقش فيهم مؤلفه بداية مفهوم العولمة، فبعد انتهاء حروب الخليج الثلاث وخصوصًا الحرب الأمريكية – البريطانية عام 2003 على العراق ومن قبلها أفغانستان عام 2002 والتي جاءت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبالتالي نهاية الحرب الباردة ومن قبلها سقوط برلين، برزت أمريكا كقوة عالمية واحدة تسعى للانفراد بتسيير أمور العالم ليس عسكريًا وحسب بل اقتصاديًا وثقافيًا طبقًا لمصالحها الذاتية، ومن هنا بدأ الإعلام يمجد هذه الظاهرة الأمريكية بما تحتوي عليه من أنظمة اقتصادية واجتماعية وسياسية، وبدأت تظهر بعض المصطلحات التي كانت قد أطلقت منذ زمن ليس ببعيد ولم يلتفت إليها أحد حينها مثل: النظام العالمي الجديد، العولمة الكونية، القولبة، الكوكبة...

واذا حللنا الكلمة من الناحية اللغوية البحتة فسوف نجد أن هذا اللفظ جاء من خلال تعريب كلمة "Globalization" والتي تعنى كروية أو كوكبة، عولمة، كونية وكلها معان تؤدي لنفس التفسير، أما إذا أردنا أن نعرف العولمة كمصطلح معاصر استعمله الباحثون في مجال الاقتصاد والسياسة والآداب والثقافة والاجتماع فإننا نجد أن العولمة هي النظام الذي من خلاله تصبح شعوب العالم متصلة ببعضها في كل أوجه حياتها ثقافيًا واقتصاديًا وسياسيًا وتقنيًا وبيئيًا. هذا وقد ظهر الكثير من التعريفات يستدل من خلالها التناقض والاختلاف لتحديد المصطلح كل حسب وجهة نظره الخاصة وطبقًا لانتماءاته الأيديولوجية واهتماماته وتبعًا لتأييده ومعارضته للعولمة، وعلى الرغم من انتشار مفهوم العولمة في العقد الأخير إلا أنه ليس هناك إجماع عن ماهية العولمة، وبسبب مفهومها وعدم تحولها لغاية الأن إلى واقع مستقر فقد نشأت مساحات من التناقض بين وجهة النظر الراديكالية التي لا ترى في ذلك الأمر إلا مزيدًا من السيطرة العالمية للرأسمالية والنظام الاقتصادي المرتكز على حرية السوق ، كل يحاول أن يحدد ماهية العولمة من وجهة نظره وطبقًا لانتماءاته الأيديولوجية فهناك المؤيدون وهناك المعارضة، فالمؤيدون للعولمة معظمهم من أنصار الفكر الليبرالي والرأسمالي من المعجبين بالنظام الأمريكي وهؤلاء يرون أن العولمة هي التعويذة التي ستحل بها كافة مشاكل العالم وهي القدر المحتوم الذي لا مفر منه ، وبها وصل التاريخ إلى نهايته لذا يجب على كل العالم أن يدوروا في فلك هذه المعجزة، وهي في نظرهم الحتمية التاريخية وليس في الإمكان أبرع مما كان فهذه الصورة للعولمة لا يوجد ولن يوجد أفضل منها أبدا فهي بنظرهم تحوي جميع القيم المثالية التي يمكن أن تخطر على البال.

ثم يتحدث الكاتب بعد ذلك عن أبعاد العولمة، فبالنسبة للبعد السياسي فيعتمد على الحرية المطلقة بكل شيء حرية الرأي وحرية المناقشة وحرية التفكير وحرية الاعتقاد ويتلخص البعد السياسي أيضًا في الدعوة إلى الديمقراطية الليبرالية الغربية والتعددية السياسية مع الانتباه إلى الديمقراطية المعنية هي ديمقراطية بمنظار أمريكي فقط، بالإضافة إلى احترام حقوق الإنسان. أما البعد الاجتماعي والحضاري فيعتمد على إلغاء الهوية الخاصة للمجتمعات ودفعها إلى اكتساب هوية عالمية وتحويل العالم كله إلى مجتمع عالمي يجمع البشر ويتصف بالإنسانية والعدالة، وهذا كلام مثالي ونظري ولكن الحقيقة الواقعية المؤلمة أن هذا سيحول المجتمعات غير المتقدمة كالمجتمع العربي إلى مسخ بلا هوية ولا قومية ولا أصول وبسبب التطور التكنولوجي الهائل فإن الأنماط السلوكية الغربية والاستهلاكية ستصبح هي السائدة في مجتمعات العالم الثالث بالإضافة إلى طمس الحضارات كلها في مقابل فرض الحضارة الغربية الأمريكية.

أما البعد الاقتصادي فيعتمد على حرية الأسواق وانفتاح اقتصاديات العالم على بعضها البعض وتكتل الاقتصاديات واندماجها لتتحول إلى اقتصاد دولي وتلغي الاقتصاد المحلي. وبالنسبة للبعد الثقافي فيعتبر البعد الأخطر حيث يعتمد على إلغاء الهوية الثقافية الوطنية واستبدالها بالثقافة العالمية وإلغاء الحواجز والحدود ليبني المجتمع الرأسمالي الحر وهذا أدى إلى انهيار الثقافة المحلية وحلول ثقافة عالمية مكان هذه الثقافة الوافدة مع التطور التكنولوجي والاتصالات المعلوماتية، فإذا لم تستطع أن تتأقلم مع التقاليد والقيم الاجتماعية يؤدي ذلك إلى الانقسام والنزاعات الداخلية والتفكك المجتمعي والقيمي وخصوصًا المجتمعات العربية والإسلامية التي تواجه الكثير من التحدي والخطر من هذا الاختراق الثقافي وردع القيم والأفكار الغربية من داخلها.

أما عن أهداف الهيمنة فيفندها الكاتب في:

  • حل مشكلة الفائض المالي الموجود في الدول الكبرى.

  • الهيمنة السياسية على دول العالم الثالث، فبسبب هذه السيطرة تم إعادة دول العالم الثالث ومن ضمنها العالم العربي إلى الاستعمار القديم ولكن بصورة حديثة فهو استعمار بلا جنود ولا أسلحة مع استمرار نزع الأسلحة من هذه الدول ليسهل تسييسها.

  • السيطرة على الاقتصاد العالمي وإخضاعه لمصالح الدول الغربية الكبرى.

  • القضاء على العروبة باعتبارها رابطة قومية مضادة لحركة العولمة التي تستلزم القضاء على أي رابطة غير الانتماء لفكرة الإنسانية.

    ثم يسلط الكاتب الضوء بعد ذلك على العالم العربي والعولمة، حيث يشير إلى أن الاستعمار مر بعدة مراحل ممثلة في الاستعمار التقليدي، الذي استمر حتى الحرب العالمية الثانية، وكانت له خصائصه المعروفة، ثم بدأ مرحلة ثانية من الاستغلال الاستعماري السياسي للعالم العربي حتى بداية الثمانينات ثم كانت هناك مرحلة أخرى وهى أخطر مرحلة هدفها تدمير الدولة العربية، وتفتيت الاقتصاد المحلي، وفتح أسواق البلاد العربية والإفريقية لما يسمى السوق العالمية الحرة حيث القوي يبتلع الضعيف هذه الظاهرة الاستعمارية الجديدة القديمة ستكون أكثر وضوحًا في منطقتين هما:

    المنطقة الأولى للقارة الأفريقية وأمريكا اللاتينية، والمنطقة الثانية المنطقة العربية التي عاشت تجارب بارزة من الصراع من أجل التحرر، فالعولمة هو الاستعمار الجديد الذي يهدف إلى إجهاض جميع حركات النهوض والتحرر في العالم العربي وإجباره على الخضوع للهيمنة الاقتصادية العالمية باسم العولمة والنظام العالمي الجديد، فالعالم العربي أمام خيارين بالنسبة للعولمة الخيار الأول يسعى إلى رفض العولمة رفضًا تامًا وهذا يؤدي إلى تهميش الدول العربية وتخلفها وانعزالها عن باقي دول العالم كما يؤدي إلى انعكاسات سلبية على القيم والحضارة والقرار السياسي والخلل في الاقتصاد العالمي والعزلة عن العالم، والخيار الثاني فهو يسعى إلى التفاعل الكلي مع العولمة، ومع آلياتها لتكون البلاد العربية جزءًا من العالم المتطور اقتصاديًا وصناعيًا وتكنولوجيًا وهذا التوجه الكلي نحوها يسبب انعكاسًا سلبيًا على ما تملك هذه الدول من إمكانيات وقيم، ولأن العولمة تشكل خطرًا وتهديدًا للدول العربية بزيادة تهميشها لعدم قدرتها على مجاراة العولمة وآلياتها الهائلة لذا يجب المحافظة على الهوية والحضارة العربية ولكن دون الاختباء والانعزال عن العالم، ودون الذوبان في التعبئة الغربية بحيث لا يبقى أي أثر لأي خصوصية وقيمة عربية في هذا العالم، وأيضًا دون الاستسلام بكامل الإرادة ليصبح العالم العربي مجرد مستعمرات اقتصادية للقوى الاستعمارية الغربية.

    ثم يتناول الكاتب بعد ذلك أثر التحولات الاقتصادية العالمية على العالم العربي، فمثلًا بالنسبة لمنظمة التجارة العالمية لها أثر سلبي وآخر إيجابي حيث إن أغلب الدول العربية أعضاء في تلك المنظمة فمن المؤكد أن العالم العربي بمجمله سيتأثر بهذه المنظمة واتفاقياتها سلبيًا وإيجابيًا.

    وعن تأثير التكتلات الاقتصادية الدولية الكبرى فالمنطقة العربية والاقتصاد محور تنافس من قبل الكتل الاقتصادية الكبرى ولأجل بقاء العالم العربي مجرد سوق استهلاكية لا قدرة لها على الإنتاج والتصنيع والتصدير، فإن الدول الصناعية الكبرى ترفع من حدة المنافسة الدولية والنزعات الحمائية، إضافة إلى وضع مواصفات وأسس موحدة للمنتجات التي تدخل أسواقها بحيث لا تستطيع المنتجات العربية تحقيقها فتبقى خارج حدود المنافسة.

    أما عن الآثار المباشرة للعولمة على العالم العربي فبالنسبة للآثار السلبية فتتلخص في:

    - الترويج للاستثمار الأجنبي المباشر وتسهيل قدرة رأس المال على النفاذ إلى خارج موطنه مقابل الحصول على ملكية أصول ثابتة، بالإضافة إلى انهيار النظام النقدي العالمي، وتنامي ثورة الاتصالات فبدأت النقود تأخذ شكل سلعة تتداول خارج وظائفها الاقتصادية التقليدية وبدأت النقود الإلكترونية والمبادلات عبر شبكات الاتصال العالمي وهذا ما أدى إلى زيادة التضخم.

    - المعونات الخارجية الغربية التي تتلقاها المنظمات الأهلية فتتحول هذه المنظمات إلى أدوات نشر الثقافة المختارة الغربية، ومن ثم تحصل تلك المنظمات على القوة التي تجعلها تقف بقوة أمام حكومات دولها وتهميشها لدور الدولة في إدارة شؤون المجتمع والحد من قدرة السلطات الوطنية في التحكم في سياساتها الاقتصادية.

    - غرس قيم غربية وغريبة عن طريق ما يسمى بالثقافة العالمية وإشاعة مفاهيم تتفق ومقومات ثقافية وحضارية غربية وغريبة والتغلغل داخل المجتمعات العربية لإضعاف أساسها.

    - إلغاء الحماية الجمركية واتفاقيات منظمة التجارة العالمية والتي بدأت بتطبيقها على أغلب دول العالم العربي وأدت إلى شلل قدرات الدول العربية على حماية شعوبها وبيئتها وأدى إلى الحيلولة دون حماية المستهلكين والعمال وهذا أدى إلى تقليص سلطات الدولة الوطنية.

    - الأزمات الاقتصادية في الدول الاقتصادية الكبرى تظهر آثارها على دول العالم الأخرى وبما فيها دول العالم العربي مما يتسبب بحدوث مشاكل كبرى لعدم استطاعتها مواجهة هذه الأزمات القادمة من تلك الدول الكبرى.

    - تعطيل مشروع التنمية المستقلة للبلاد العربية ودفع البلاد للبحث عن التنمية بدول الرأسمالية الغربية.

    ثم ينهي المؤلف ذلك الكتاب بموضوع هام جدًا وهو العلاقات العربية – الأمريكية ومشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث يشير إلى أن العلاقات العربية – الأمريكية مرت بمرحلتين: المرحلة الأولى تبدأ منذ أواخر القرن الثامن عشر مع بداية ظهور الولايات المتحدة الأمريكية كدولة مستقلة واستمرت حتى الحرب العالمية الثانية 1939، والمرحلة الثانية تبدأ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى الآن، وهذا العصر كما يقول الكاتب هو عصر المصالح، فالمصالح وحدها هي التي أصبحت تحكم العلاقات بين الدول والجماعات.

    هناك أيضًا المنافسة بين الدولتين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي ذات أبعاد أيديولوجية واستراتيجية، وأدى هذا الصراع إلى ولادة معسكرين حيث عاشتا في حرب باردة على النفوذ والمصالح في مختلف العالم وقد كانت المنطقة العربية من أهم مناطق الصراع على النفوذ بين المعسكرين، إلا أنه في الوقت الحالي أصبحت الولايات المتحدة تنفرد بزعامة النظام العالمي الجديد ولكنها الزعامة العسكرية والسياسية وحتى ليست الزعامة الاقتصادية، حيث جاءت هجمات 11 سبتمبر لتحدث آثارًا اقتصادية مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد الأمريكي وانهيار عدد من الشركات الكبرى والتي تمثل استثمارات لبعض الدول العربية، مما أثر على هذه الاستثمارات وأدى إلى خسارة مليارات الدولارات مما جعل الولايات المتحدة تولي اهتماما أكبر للمنطقة العربية حيث تجنب هذه المنطقة من الوقوع تحت سيطرة قوى كبرى غيرها، وضمان استمرار تدفق البترول من حقول الشرق الأوسط ودول الخليج العربية إلى الأسواق الأمريكية، وفتح أسواق الشرق الأوسط للمنتجات الأمريكية والغربية والاتجاه نحو الخصخصة وتقليص دور الدولة في الاقتصاد، ودفع قضية الشرق الأوسط على تشكيل نظم سياسية تميل إلى الغرب وتتفق مع المفهوم الأمريكي للحياة وتكون حليفة للإدارة الأمريكية وإنهاء وتسوية الصراع العربي الإسرائيلي وفق التصورات والمصالح الأمريكية الإسرائيلية، ومنع قيام التكتلات الكبيرة بين دول المنطقة العربية حتى تبقى هذه الدول ضعيفة مهمشة. مع العمل أيضًا على منع قيام اتحاد الدول العربية الاقتصادية منعًا لأي تكامل اقتصادي عربي، وجعل إسرائيل مركزًا لمشروع الشرق الأوسط الكبير من خلال إلغاء الحواجز المادية والمعنوية بين الدول العربية وإسرائيل كحليف استراتيجي لأمريكا وتدعيم مكانة إسرائيل لأخذ موقف مركزي في النظام السياسي الإقليمي مستقبلًا.

    أما عن التهديدات التي تواجه الأمن القومي العربي فيقول الكاتب إنها تكمن في عدة نقاط أهمها: حجب التقنية العسكرية عن الدول العربية ومنها أسلحة الدمار الشامل وأسلحة الفضاء، وحصول إسرائيل على أحدث الأسلحة والمعدات، وإنتاجها الصواريخ بعيدة المدى والصواريخ المضادة بالإضافة لإقامتها مشروعات إنتاج مشتركة في مجال الفضاء مما يجعلها تشكل تهديدًا دائمًا لسلامة وأمن الدول العربية المجاورة.

    وفرض عقوبات على بعض دول المنطقة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية بحجة منع انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في المنطقة وما حدث في العراق ليس ببعيد وما يحدث في إيران أيضًا، مع بث روح الفرقة والنزاعات بين الدول العربية لزيادة ضعفها وتهميشها. هذا بالإضافة إلى أن الأمريكان يساندون إسرائيل وينحازون لها رغم معرفتهم الكاملة بجذور ومرجعية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولديهم جميع الملفات التفصيلية لهذه القضية فقد ساندت أمريكا شارون في بنائه لجدار الفصل العنصري (جدار الكراهية) رغم رفض العالم له ممثلًا بمحكمة العدل العليا الدولية في لاهاي.

    أما عن مشروع الشرق الأوسط الكبير (الموسع) فهذا المشروع يريد تحويل أسواق الشرق الأوسط عامة والعالم العربي خاصة إلى مستهلك لمنتجات دول الشمال الصناعية والذي يؤدي إلى الكم الهائل من التبعية والتنازلات بالنسبة للدول العربية تنتهي بتفريغ المواطن من وطنيته وقوميته وهويته وانتمائه الديني والثقافي بحيث يتحول إلى خادم للقوى الكبرى والتي تسمي نفسها بالنظام العالمي الجديد. المشروع الأمريكي لا يهدف فقط إلى السيطرة على الأسواق العربية ولكن الهدف الأكبر هو إنهاء قضية الصراع العربي – الإسرائيلي من خلال ربطها بمسألة التعاون الاقتصادي بحيث تصبح البلاد العربية أكثر تهميشًا وتبعية للمصالح الأمريكية فتصبح المشاريع الاقتصادية رابطًا بين بلدان المنطقة وإسرائيل التي ستكون المركز الرئيسي للمشروع بحيث يكون هذا الرابط قويًا جدًا وتصبح كارثة لمن يريد الابتعاد عنه.

    إن المرحلة الأولى للمشروع هي السيطرة على النفط والغاز وجميع مصادر الطاقة في المنطقة ثم فتح جميع هذه المناطق أمام الشركات الأمريكية العملاقة، والنتيجة الأهم هي الحفاظ على المصالح الإسرائيلية العليا وخدمة المشروع الصهيوني (إسرائيل الكبرى)، إن الخطة الأمريكية تسعى إلى تشكيل منتدى دول منطقة آسيا المحيط الهادي (أبيك) ويضم 18 دولة في منطقة تجارة حرة بحلول عام 2020، هذا المنتدى سيتميز بالاتساع الهائل في عدد سكانه وأسواقه (الصين ودول جنوب شرق آسيا وأستراليا ونيوزيلندا) ويضم أقوى اقتصاد في العالم تقريبًا وتسيطر على نصف الإنتاج العالمي والتجارة العالمية، وسيكون هذا المنتدى بديلًا لمجموعة الثماني الكبار في القرن الحادي والعشرين، وما يساعد الولايات المتحدة على ذلك هو ما حدث في العراق وأفغانستان وما قامت به ليبيا من تصفية ملفاتها العالقة مع الغرب، وما يجري في السودان وما يطبق في سورية وإيران يعتبر كل ذلك لحظة تاريخية نادرة لأمريكا لإنجاح مشروع الشرق الأوسط الكبير.

    أما عن تقسيم دول الشرق الأوسط الكبير للدول العربية فهي مبدئيًا تقسم على النحو التالي:

    - بلدان المشرق العربي (فلسطين والأردن وإسرائيل وسورية ولبنان) وهذه المنطقة تعتبر منطقة (السوق الشرق أوسطية) والتي سيتم ربط منطقة بلاد الشام بالاقتصاد الأمريكي مع ملاحظة فصل العراق عنهم اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا لمنع أي مشروع وحدوي يمكن أن يتم بين سورية ومصر والعراق.

    - بلدان الجزيرة العربية (الخليج العربي) وهذه المنطقة هي منطقة النفط تزداد أهميتها الاستراتيجية لحاجة البلدان الصناعية الكبرى للنفط.

    - بلدان شمال أفريقيا العربية (المغرب العربي) وهذه المنطقة سوف تمثل المجموعة الأساسية للمتوسطية وينظر إلى هذه البلدان على أنها تابع من توابع أوروبا دون أن تكون هذه التبعية مؤدية إلى انضمام المنطقة إلى السوق الأوروبية الموحدة ومصر مرشحة لأن تكون نقطة الوصل بين الشرق أوسطية والمتوسطية.

    وأخيرًا فإن الأمريكيين لا يريدون إصلاح البنية العربية كما يقولون ولكنهم يريدون إصلاحات شكلية ترتب لها المنطقة العربية حتى تتحقق مصالحهم والمصالح الإسرائيلية الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، وإذا كان الأمريكيون والأوروبيون يطالبون بالإصلاح، إصلاح الشؤون العربية، فهل العرب يرفضون ذلك أم يجب عليهم أن يصلحوا أنفسهم وبمبادرة داخلية وليست خارجية، فالعيوب كثيرة ويجب الاعتراف بها وبالمسؤولية عن الوضع غير المتكافئ مع الدول المتقدمة. فالتغيير المطلوب يجب أن يكون نابعًا من قواعد اجتماعية وثقافية حتى يلقى القبول لدى الشعوب وحتى يحافظ على خصوصية الدول العربية الحديثة.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter