مــلــــف عـــربي


التكالب على سورية وصراع الأدوار، ومعضلة التسوية السياسية


دبلوماسي سابق وكاتب مصري/د. مصطفي عبد العزيز مرسي
دبلوماسي سابق وكاتب مصري



تعتبر الأزمة السورية أكثر ثورات ما يسمى بـ"الربيع العربي" دموية ودماراً وخسائر بشرية، وأطولها زمناً، وأصبحت سورية ساحة مفتوحة وجاذبة للتدخلات الإقليمية والدولية، إضافة للمليشيات الأجنبية المتطرفة، الأمر الذي أدى إلى انحسار البُعد الداخلي لحساب البُعد الخارجي في الصراع، وأقحمت الأزمة في تيار "لعبة الأمم"، وما يصاحبها عادة من تبادل الصفقات وعمليات تصفية الحسابات، وتعرض الشعب السوري إلى عمليات التهجير القسري والتغيير الديموغرافي([1])، ناهيك عن اضطرار أكثر من نصف السكان للنزوح أو الهجرة الخارجية، فضلاً عن أعداد القتلى والجرحى. وأصبحت كل القوى "المؤثرة" في العالم تتدخل في الشأن السوري، وتتجاذب ملفاته، واستقدمت إلى سورية عشرات الجيوش والمليشيات، والطائرات بحجة محاربة "داعش" التي غضت النظر عن تسلل عناصره من داخل هذه الدول إلى الأراضي السورية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا كل هذا التكالب على سورية وشعبها ؟، وما مدى تداعياته على جهود التسوية السياسية ؟ وغيرها من العناصر ستكون موضوع هذا التحليل.

لماذا كل هذا التكالب على سورية وشعبها ؟

تعتبر سورية بالمعايير الجيوبوليتيكية دولة أقل من متوسطة، سواء من ناحية المساحة (185.180 كم2) أو السكان (قرابة عشرين مليون تشتت أكثر من نصفهم بين نازح ومهاجر)، كما أن ما تضمه من ثروات نفطية أو موارد طبيعية أخرى متواضعة، وهي بالكاد كانت تحقق اكتفاءً ذاتياً، ولا يبدو أن المصالح الاقتصادية هي السبب في انخراط بعض القوى الإقليمية والدولية في تفاعلات الصراع السوري، أو تشكل عامل جذب للتنافس الإقليمي والدولي الراهن. فما سر دوافع الصراع المحتدم والمحموم على سورية على هذا النحو ؟.

إن المتابع لتاريخ سورية يجد أن عاصمتها استمرت مسكونة على مر العصور، وواجهت العديد من الغزوات وموجات الهجرة التي استوعبتها، وهي التي أورثتها أجناسًا وأعراقًا ذات مذاهب دينية متعددة، لها امتداداتها في دول الجوار. فسوريا تعتبر من أكثر الدول العربية تنوعاً من الناحية الإثنية والمذهبية والطائفية، وهو ما يصعب من مهام ودور الحاكم لها. وفي الواقع لم يكن المفكر أرنولد توينبي مبالغاً حين وصف سوريا بأنها "الحلبة التي تتواجه فيها كل القوى الروحية والدولية وينجم عن ذلك تداعيات سلبية وأخرى إيجابية في كل أنحاء العالم".

فالأهمية الجيوبوليتيكية لموقع سوريا الجغرافي تعود إلى أنها تحتل قلب المشرق العربي، وهي ملتقى لثلاث قارات وثلاث حضارات وثلاث ديانات. وهذا الموقع يتجاور مع ثلاثة بلدان عربية (العراق، لبنان، الأردن)، وبلدين غير عربيين (تركيا وإسرائيل) اللذين يعتبران من أقوى دول المنطقة عسكرياً.

وكل هذه المعطيات جعلت من سورية رابطة لعقد الإقليمي، أو كما يحلو للسوريين وصفها بـ "قلب العروبة النابض". ونعتقد أنه كان لهذا الموقع وما يصاحبه من سياسات إقليمية الأثر الأكبر فيما حدث ويحدث في سورية، وجعل هذا الموقع البيني يتسم دومًا بالتوتر الدائم وعدم الاستقرار لوقوعه في منطقة مصالح إقليمية ودولية متضاربة ومتنافسة.

وفي الفترة السابقة على عهد حافظ الأسد ظلت سورية مفعولًا بها، وتتنافس على النفوذ فيها مختلف القوى الإقليمية والدولية([2])، وفي سعيه لتغيير هذا الواقع، قام حافظ الأسد بجهود للارتقاء بمستوى الموضع إلى مستوى الموقع، واستطاع تحويل سورية إلى دولة فاعلة إقليميًا، ولكن السؤال هو بأي ثمن تحقق ذلك ؟. لاشك أن التعدد العرقي والمذهبي في سورية وطبيعة جوارها الجغرافي لا يسهلان من مهمة من يحكم سورية، فهي تتطلب – في الحالة المثلى – التعامل مع هذا التنوع بمفهوم "المواطنة" التفاعلية، التي تتيح تفاعل هذه المكونات بشكل إيجابي، ومشاركتها في شئون الحكم والوطن والمجتمع، بهدف إقامة جبهة داخلية متماسكة ومتناغمة، ولكن حافظ الأسد – ربما في ظل ظروف استيلائه على السلطة والمخاطر والتهديدات الإقليمية والدولية، التي كانت قائمة – وقتئذ – جعلته يميل إلى إدارة هذا التنوع بإحكام السيطرة بقوة على تفاعلاته، باستخدام الوسائل الأمنية والقمعية، حتى يستطيع إحكام السيطرة على الداخل، ولتأمين محيط سورية الإقليمي، وهو ما يعود – في تقديرنا – لطموحاته الإقليمية ورؤيته للمخاطر والتهديدات التي تحيط بمحيطها الإقليمي وقتئذ.

وقد ظل الدور الإقليمي المتعاظم لسورية حافظ الأسد، والمتجاوز لقدراتها الذاتية، مستهدفًا دومًا من مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، لأنه كان يمس مصالح وأوضاعًا شبه مستقرة.

واتبع الأسد الأب، مختارًا تارة أو مضطرًا تارة أخرى، سياسات إقليمية تدخلية  وخشنة، إن لم تكن صدامية، أكسبت سورية الكثير من الأعداء الذين ظلوا متربصين بها، من دول الجوار الإقليمي ومن ساندها من قوى دولية، والتي سعت بدورها لإحباط طموحاته، وظلت حالة ثأر الدول المتراكم، تجاه نظامه كامنة وتنتظر الوقت المناسب لانقضاضها على النظام السوري.([3])

وقد ترك حافظ الأسد لوريثه، كثيراً من الملفات مفتوحة النهايات، ابتداءً من استمرار احتلال إسرائيل للجولان، رغم جهوده للتوصل لتسوية مشرفة، ومرورًا بوجود القوات السورية في لبنان التي انقضى عليها أكثر من عقد، وانتهاءً بالعلاقة مع العراق، وتحالفه مع إيران، وعلاقاته المتقلبة مع القوتين الأعظم (وقتها). وبطبيعة الحال فإن الوريث لم يكن على مستوى خبرة ودهاء المورث، فضلًا عما استجد من متغيرات إقليمية ودولية، وفي مقدمتها الحرب الأمريكية على العراق 2003 وإسقاط نظامه، وثورات الربيع العربي، والتي استغلتها واشنطن لدعم خطط سيطرة "الإسلام السياسي" على المنطقة العربية.



([1]) من أمثلة اتفاق المدن الأربع (كفريا – الفوعة – الزبداني – مضايا) استكمالاً لعملية التهجير القسري التي بدأت منذ عامين في مناطق شمال غرب دمشق.

([2]) قام الكاتب البريطاني باتريك سيل بتخصيص كتاب للصراع على سورية في هذه الفترة تحديداً ويحوي طبيعة هذا الصراع والمشاركين فيه.

([3]) لمزيد من التفاصيل في هذا الشأن انظر مؤلفنا: حافظ الأسد بين الواقع والأسطورة، الدار الدولية للاستثمارات الثقافية، القاهرة، 2017، لاسيما القسم الثاني المعنون: حافظ الأسد وسياساته العربية والإقليمية والدولية ص 175 وما بعدها.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter