مــلــــف عـــربي


العراق بين المطرقة الإيرانية والسندان الأمريكي


سيد أبو زيد عمر
كـاتب وبـاحث سيـاسي مصري



مقدمة

رجحت أغلب الآراء أن الغزو الأمريكي للعراق (مارس 2003) والذي وقع تحت اسم "الصدمة والرعب" دون أي مبرر قانوني أو أخلاقي، كان بكل المقاييس نكبة كبرى على العراق. بلغ عدد من قُتِل من جراء هذه الحرب 800 ألف عراقي و 4500 أمريكي، وزادت تكاليفها عن التريليون دولار، واضطرت القوات الأمريكية إلى الانسحاب رسميًا في أواخر عام 2011، بعد أن فرضت عليه من النظم والترتيبات التي جعلته أكثر ضعفًا وهشاشة وعرضة للانقسام والتفكك، وأتاحت للقوى الخارجية الفرصة للتغول فيه. بادر الغزو الأمريكي منذ الأيام الأولى بحل وتصفية قوات الجيش والشرطة والأمن ومطاردة أعضاء الحزب تطبيقًا لقانون "اجتثاث البعث"، ويكون الغزو بذلك قد نجح في تفكيك أوصال العراق وجعله لقمة سائغة لإيران، وتقديمه لها، كما يقال "على طبق من فضة".

لقد أصبح من الدارج أن يُقال على لسان العديد من المسؤولين والإعلاميين الأمريكيين أنه كان من الخطأ دخول العراق، وأنه كان من الخطأ أيضًا الخروج منه، فقد شكل ذلك فراغًا كبيرًا، قامت إيران وداعش بملئه، وهو ما صرح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرارًا أثناء حملته الانتخابية منتقدًا سياسات الرئيس أوباما التي كانت ترى أن إيران مفتاح الحل لأزمات المنطقة. وبما اقتضى الميل نحو استبعاد الحلول العسكرية لوقف تطوير إيران لقدراتها النووية، واللجوء إلى مفاوضات طويلة ومضنية بين إيران ومجموعة 5+1 انتهت إلى اتفاقية تحجم إيران في هذا الصدد، ولكنها أعطته إمكانيات أكبر للتحرك في المنطقة.

خلفية تاريخية

شهدت العلاقات العراقية الإيرانية على مر التاريخ القديم والحديث فصولًا من الصراع تبادلا فيها الأدوار بين خاسر ومنتصر، فلم يكن جوارهما في أغلب الأحوال أمرًا هينًا على أي من الطرفين، فقد استعر الخلاف بين البلدين على سبيل المثال بعد الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، وسرعان ما نشبت حرب ضروس بينهما بمبادرة من العراق استمرت ثمان سنوات، بعد أن رفعت إيران شعارات تصدير الثورة، وبعد أن ضاق العراق بعمليات التفجير والتخريب لهز الاستقرار به، وبالمؤامرات التي دبرت في إيران لقلب نظام الحكم فيه، وشجع العراق على شن هذه الحرب اعتقاده بقدرته على حسمها في وقت وجيز، بمساندة دول الخليج بعد أن وضحت لهم مخاطر التوجهات الإيرانية على الأوضاع في بلادهم، وتشجيع الدول الغربية للعراق في حربه لوأد الثورة الإيرانية في مهدها. ولم تضع الحرب أوزارها إلا بعد أن تكبد الطرفان ما لا يطيقونه من خسائر، ووافق الخميني على إيقاف الحرب  مضطرًا، واعتبر إيقاف القتال وكأنه "تجرع السم". ويجدر هنا الإشارة إلى عدة ملاحظات:

- الخلط المعتاد حاليًا بين الشيعة في كل من العراق وإيران، فهناك من الاختلافات الجديرة بالاعتبار بينهما، قد لا تبدو للعيان نتيجة للهيمنة الإيرانية، فشيعة العراق يختلفون عن شيعة إيران في أن أغلبهم قبائل من أصول عربية استوطنت العراق منذ مئات السنين، ولا عجب أن ترى في العراق قبيلة تضم شيعة وسنة في إطار القبيلة الواحدة، وخاض أفراد هذه القبائل التي تعيش على طول الحدود بين العراق وإيران مواجهات دامية مع القوات الإيرانية خلال الحرب التي استمرت ثمان سنوات.

- أنه من الواضح أن إيران قد وعت دروس تلك الحرب، وفي مقدمتها ضرورة تنمية قدراتها العسكرية إلى الحد الأقصى المتاح، وهذا لا يتعارض مع اضطرارها إلى عقد اتفاقية تحجم قدراتها على الوصول إلى السلاح  النووي، فهي أحرص من أن تعطي تلك الدول أسبابًا لضربها.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter