المـلــف الإقليمي


موقع إيران في تطورات المنطقة بعد تغير السياسة الأمريكية تجاهها


غـــازي دحــمــان
كــاتب ســـوري



مقدمة

يبدو أن مرحلة المهادنة والسياسات الضبابية التي اتبعتها الإدارات الأمريكية السابقة مع إيران وصلت إلى مرحلة النهاية حيث تقوم إدارة دونالد ترامب بتركيب سياسات جديدة في مواجهة طهران قوامها الصراع والعداء، ويعد هذا التطور متغيرًا جديدًا في الواقع الإقليمي لما يستدعيه من تغير في الاستراتيجية الأمريكية بالإضافة لما سيرتبه من تداعيات محتملة من المتوقع أن تمتد آثارها على مساحة واسعة من الإقليم.

وكانت إيران قد استفادت على مدار عقود سابقة من السياسات الأمريكية في المنطقة، والتي تميّزت بالفوضى والخطأ في الحساب والتقدير، وتمدّدت في مناطق التوتر والصراع العربي عبر تثويرها العامل الطائفي، في العراق وسورية واليمن، وتعاطت إيران مع هذه البلدان بوصفها المدى الحيوي لها، وكان من نتيجة هذه التدخلات زعزعة الاستقرار إلى أبعد مدى وتدمير النسيج الوطني.

وكان أخطر ما صنعته إيران تأسيس تشكيلات عسكرية خارجة عن سلطة الدولة وترتبط ارتباطًا مباشرًا بمصالحها وأهدافها وتنفذ سياساتها على حساب أمن ومصالح بلدانها الأساسية، وهو ما سيشكل دينامية لتشغيل صراعات مديدة في المنطقة ستكلف أبناءها طاقات كبيرة قبل أن تطوي صفحتها.

بموازاة ذلك، اتبعت الإدارات الأمريكية، وخاصة إدارات جورج بوش الابن وباراك أوباما، سياسات غامضة، اختلط فيها الانتهازي بالانتقامي، من خلال تصورات قائمة على إنهاك الأصوليات الإسلامية "السنية - والشيعية" بصراعاتها، واضطرار دول المنطقة إلى اللجوء لأمريكا دون شروط بما يؤدي إلى تقوية أوراق التفاوض الأمريكية، فضلًا عن تأمين مصالح إسرائيل التي ستصبح أكثر قوّة نتيجة ضعف أعدائها وتشتتهم، وقد شكّلت هذه السياسات البيئة المناسبة لصناعة النفوذ الإيراني وتمدّده على وقع انهيار الدولة والمجتمع العربيين على طول سكة المشروع الإيراني.

جيو استراتيجيا ولوجستيا المشروع الإيراني

لم يقتصر المشروع الإيراني في المنطقة العربية على البعد الأيديولوجي القائم على ما يسمى "تصدير الثورة لدول الجوار"، كما لم تكن بدعة الممانعة ومقاومة الغرب والصهيونية أكثر من أغطية شفافة لإخفاء البعد الجيوسياسي في المشروع الإيراني وتكتيكاته وتفصيلاته اللوجستية، ذلك أن إيران لا تشكل نموذجًا قابلًا  للتصدير ولا تمتلك الثقافة ونمط العيش الإيراني أي مميزات تجعله يحمل جاذبية خاصة لدى شعوب الجوار، حتى شعارات المقاومة التي حاولت إيران أن تجعلها سلعتها الأكثر فعالية لاختراق الشعوب العربية وإرباك الأنظمة السياسية في المنطقة سقطت بفعل تناقض سلوك إيران وتضارب سياساتها تجاه الثورات العربية وخاصة في سورية واليمن.

وبانكشاف تهافت الأيديولوجيا والشعاراتية الإيرانية، بدأت تتضح حقيقة مشروعها الجيوسياسي وأبعاده في المنطقة، وكانت إيران قد بنت الجزء الكبير منه تحت ستار غبار المقاومة والممانعة، وقد أمنت قواعد ارتكاز هذا المشروع من خلال تنصيب سلطة موالية لها في العراق، وتثبيت حزب الله في لبنان، وتدعيم سيطرتها على نظام الحكم في سورية، وإلى حين كان المشروع الإيراني يتخذ الأدوات الناعمة نسبيًا في الانتشار والسيطرة، عبر تقديم المساعدات والخدمات لأطراف تحالفه مقابل أن يكون الشريك الأساس في صنع السياسة وتحديد توجهات الحلفاء في بغداد ودمشق والضاحية الجنوبية.

غير أن تفجّر الثورة السورية دفع إيران إلى تغيير نمط إدارتها الإقليمية نتيجة إدراكها وجود مخاطر من شأنها التأثير في انسيابية مشروعها وصيرورته، وذلك دفعها إلى الإعلان بشكل صريح عن سيطرتها على "العواصم الأربع" وتكليف الحرس الثوري وقائده قاسم سليماني بالإشراف المباشر على إدارة المشروع واتخاذ ما يلزم من إجراءات وترتيبات لحماية هذا المشروع، وفي هذا السياق ارتكبت إيران أشكالًا وصنوفًا عديدة من الجرائم "التهجير الديمغرافي، والإبادة الطائفية" في العراق وسورية  بهدف تثبيت مشروعها الجيوسياسي.

تعاطت إيران مع المتغيرات الحاصلة في المنطقة بوصفها أوضاعًا أبدية ونهائية، انعكاسًا لقناعتها بأن الشرق الأوسط لم يعد مهمًا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي أعلن رئيسها السابق باراك أوباما أن استراتيجية بلاده تميل إلى التركيز على شرق أسيا، كما أن تقديرات إيران انبنت على أساس أن النظام الإقليمي العربي انتهى إلى غير رجعة، وأن تركيا لن تجرؤ على مواجهة الأطماع الإيرانية في المنطقة، وقد رفع الحضور الروسي من سقف الطموحات الإيرانية وخاصة وأن روسيا استعانت بالقوى التي تشرف عليها وتديرها إيران في مواجهة الفصائل السورية.

بناء على ما سبق، وفي سبيل التثبيت النهائي للمشروع الإيراني في المنطقة، صممت إيران خريطة لدمج الإقليم "العراق وسورية ولبنان" وربطه بالمركز الإيراني جغرافيًا لتسهيل عمليات انتقال الأسلحة والميليشيات ولضمان وصولها إلى شواطئ البحر المتوسط في سورية ولبنان وذلك عبر طريقين بريين:

الطريق الشمالي: من إيران عبر محافظة ديالي باتجاه محافظة كركوك ومنطقة الشرقاط وصولاً إلى سورية عبر منطقتي تلعفر وجبال سنجار، وفي سورية يمر الطريق عبر مناطق سيطرة الأكراد المتصلة مع مناطق سيطرة النظام السوري، وتشكل حلب نقطة مفصلية في هذا الطريق.

الطريق الجنوبي: عبر محافظات العراق الجنوبية "البصرة، المثنى، النجف" ويخترق كامل محافظة الأنبار السنية، دون الاضطرار بالمرور بمدنها الكبرى "الفالوجة، حديثة، الرمادي، القائم"، إلى البادية السورية وصولاً إلى دمشق والانتقال عبر منطقة القلمون السورية إلى الداخل اللبناني، وكذلك الوصول إلى الجولان وحدود الأردن عبر أرياف دمشق الغربية والجنوبية.

ويلاحظ أن إيران قامت بإجراءات تأمينية لهذه الطرق اشتملت على:

- التهجير الطائفي على طول مسار الطريق الشمالي من ديالي التي كانت في السابق ذات غالبية سنية وصولاً إلى تلعفر، ثم أرياف الحسكة والرقة التي تولت الميليشيا الكردية التابعة لحزب العمال الكردستاني تطهير السكان العرب فيها.

- إنهاك العشائر العربية في الفلوجة والأنباري وتدمير قدرتها على المقاومة.

- رشوة الأحزاب الكردية في هذه المناطق عبر تقديم الدعم المالي لها، وخاصة وأن هذه الأحزاب على عداوة مع تركيا.

- تأسيس بنية قتالية لحماية هذه الممرات وتثبيت مشروع السيطرة الإيراني، ووفق تقديرات حديثة يبلغ قوام هذه القوة بحدود 200 ألف مقاتل تتكون من ميليشيات الحشد الشعبي في العراق وميليشيات من الأفغان والباكستانيين اللاجئين في إيران، بالإضافة إلى حزب الله اللبناني وعشرات الفصائل في سورية.

تطرح هذه الخلفية تساؤلاً مهمًا حول الموقف الأمريكي الغائب أمام هذا العبث الذي صنعته إيران في مسرح الحدث الشرق أوسطي، وخاصة وأن جزءًا كبيرًا من خريطة المشروع الإيراني قد جرى بناؤها تحت أعين الأمريكيين ومراقبتهم؟

لماذا التحرك الأمريكي الأن ؟

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter