الباب السياسي


الدخول العربي على خط الأزمة السورية


كــاتب ســـوري/غـــازي دحــمــان



رغم أنه لا زال في بدايته، إلا أنه يمكن ملاحظة ملامح دخول عربي على خط الأزمة السورية، بعد وقت كان التأثير العربي في الحدث السوري قد وصل إلى أدنى درجات الفعل ومستويات الفعالية، ولطالما ذهبت التحليلات إلى اعتبار أن المسألة السورية خرجت من الإطار العربي بعد أن جرى تدويلها وأصبحت في عهدة اللاعبين الكبار، وبالتالي فإن أدوار الدول العربية، إن وجدت، ستكون تحت عباءة أولئك اللاعبين، أحدهما أو كلاهما، ولن تكون هناك لمسة عربية في أي اتفاق قد يحصل بخصوص ترتيبات الأوضاع المستقبلية في سورية.

ورغم ما يكتنف المواقف العربية، حتى اللحظة، من غموض، وما شابهها سابقًا من خلافات، كان لها تأثير واضح على الدور العربي في سورية تجلى في انكفاء جامعة الدول العربية عن القيام بدور مهم منذ عام 2012، إلا أن الأحداث اللاحقة بينت أن الانكفاء العربي عن سورية خدم بدرجة كبيرة أطرافًا خارجية وساعدها في تعزيز نفوذها في ظل فراغ الدور العربي، وبالتالي فإن العودة العربية، الواعدة، من شأنها تصحيح الخلل الذي حصل عبر السنوات السابقة وصناعة مسارات جديدة لحل الأزمة في سورية انطلاقًا من حقيقة ارتباط أمن ومستقبل سورية بالنظام الإقليمي العربي ومصالحه السياسية والأمنية.

تحرك في أوانه

تمثّلت بداية التحرك العربي بالمشاركة في ضمان مناطق تخفيف التصعيد، وهو المقترح الروسي لحل الأزمة، وكانت الإجراءات على هذا الصعيد قد استثنت الدول العربية، حيث لم يتم دعوة أي طرف عربي للمشاركة في اتفاقات أستانة والتي جرى حصرها بين روسيا وإيران وتركيا، وتمت دعوة الأردن بصفة مراقب لما تربطه من علاقات مع فصائل المعارضة في جنوب سورية.

في حينه، ادّعت الأطراف الثلاثة أن المشاركة في أستانة تعكس قدرة الأطراف في التأثير على الأطراف المتصارعة، وبما أن الدول العربية لم يكن لها حضور واضح ومعلن، على الرغم من دعم بعض دول الخليج لبعض فصائل المعارضة، إلا أنها لم تكن تمتلك حضورًا عسكريًا كذلك التي تملكه روسيا وإيران وتركيا، وبالتالي جرى استثناؤها بناءً على هذا المعيار، كما أن جامعة الدول العربية والتي خرجت القضية السورية من يديها في بواكير الأزمة فقد جرى تهميشها هي الأخرى، وحضرت الأمم المتحدة بصفة وسيط تبعًا لمهمة مبعوثها ستيفان ديمستورا في سورية.

ولكن بالنظر للتعقيدات التي حصلت على هذه المهمة اكتشفت روسيا أن ثمة ثغرة في هذه العملية ولن يكتب لها النجاح بدون إشراك طرف أو أطراف عربية، وخاصة وأن هذه الأطراف، الأردن ودول الخليج ومصر، لها علاقات مع المعارضة السياسية والعسكرية في سورية، ومن هنا استضافت مصر، وبدعم سعودي وإماراتي، مفاوضات لإضافة مناطق غوطة دمشق وشمال حمص إلى مناطق خفض التصعيد، وقد سهّل ذلك منصة القاهرة للمعارضة السورية التي ترتبط بمصر بعلاقات تنسيق وتشاور، ورئيس تيار الغد أحمد الجربا الذي تربطه علاقات جيدة مع دولة الإمارات العربية والمملكة العربية السعودية.

وقبل ذلك كان الأردن قد أنجز ما سمي "اتفاق جنوب سورية"، وهو الاتفاق الذي تم من خلاله إبعاد خطر إيران وميليشياتها عن الأردن ومناطق جنوب سورية، وجنبها المصير الذي آلت إليه حلب بعد التسويات التي أجرتها تركيا وأمنت من خلالها مصالحها الأمنية في شمال سورية، مقابل سيطرة روسيا وإيران على حلب.

تبعًا لذلك، فإن الدخول العربي على خط الأزمة، وخاصة في مناطق جنوب سورية والغوطة الشرقية وشمال حمص، يكون قد أنتج مهمّة في غاية الأهمية وهي إنقاذ المجتمعات المحلية في تلك المناطق من التنكيل الإيراني الروسي، بعد أن عمل ذلك الثنائي على تدمير ركائز المجتمعات المحلية السورية ودفعها باتجاه خيارات النزوح والتفتت والاستسلام للمشاريع الخارجية.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter