ملف خاص


حول الإصلاح الديني والدولة والتيارات الإسلامية


بــاحــث فلسطيــني - سورية/مــــاجـــد كيـــالي
بــاحــث فلسطيــني - سورية



أولاً- في مفهوم الإصلاح الديني

ظلت فكرة "الإصلاح الديني" تشكّل أحد الهواجس المهمة لمثقفي عصر النهضة، مع الاحتكاك بالغرب، سيما نتيجة التأثّر بحركات الإصلاح الديني في المسيحية، والثورات الأوروبية، وصدمة الحداثة (في الإدارة والعلوم والتكنولوجيا)، والتجربة الاستعمارية. ففي حينه، أي في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، لم يكن ثمة أحزاب دينية، وحتى لم يكن ثمة أحزاب سياسية بمعنى الكلمة، لا قومية ولا يسارية، فقط كان ثمة جمعيات أو نواد أو تجمعات ينشط من خلالها أعيان المدن ومثقفون ورجال الدين.

هكذا ففي حينه لاقت هذه الفكرة استجابة واسعة من الفئات المذكورة، في المدن العربية، مع رجالات مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وخير الدين التونسي ورفاعة الطهطاوي؛ وهم في الأصل رجال دين.

فيما بعد، أي بعد نشوء التيارات السياسية الإسلامية، مع الوهابية (في نجد والحجاز أو السعودية فيما بعد) والمهدية (في السودان) وبخاصة تأسيس حركة "الإخوان المسلمين" (في مصر) غدت فكرة الإصلاح الديني موضع شبهة واختلاف في إطار التيارات السياسية، الدينية والعلمانية، باعتبارها أضحت مجالاً للتجاذب السياسي، الذي يتأسّس على الاستحواذ والإملاء والتدبير والتحكّم، إذ لم تعد مطروحة في إطار المناقشات الثقافية، فقط، التي تتقصّد إعمال الفكر وإثارة القضايا وفتح الأسئلة لسلوك الطريق نحو الرقي وتحسين الأحوال.

اللافت، أيضًا، أن هذه الشبهات والاختلافات شملت، فيما بعد، التيارات السياسية الدينية، الدعوية والصوفية والسلفية والجهادية، المعتدلة والمتطرفة، التي بدت منقسمة على ذاتها، فيما يخصّ طبيعة ومضامين الإصلاح الديني.

في معالجة هذه المسألة يجدر لفت الانتباه، أولاً، إلى الالتباس الحاصل في إدراك معنى «الإصلاح الديني»، موضوعه وحدوده وغاياته، مع اعتقاد سائد مفاده أننا إزاء عملية قد تفضي، عند البعض، أو بحسب رأي البعض، إلى نفي الدين، أو تهميشه، أو إدخال تغييرات عليه، وهو انطباع خاطئ ومتسرّع ومسيّس، من جهة الذين يحاولون أخذ هذه العملية إلى هذا المسار، سواء كانوا من أصحاب النظرة العلمانية المتطرفة، أو كانوا من آباء التيارات الدينية الجامدة أو المتطرّفة، التي تدّعي حق الوصاية على الدين والدنيا، أو ادعاء "حراسة" الإسلام والمسلمين.

طبعاً لا يمكن تنزيه الصراع على فكرة «الإصلاح الديني»، عند أي طرف، فهكذا تجري الأمور على صعيد الممارسة السياسية، كما بيّنت التجربة التاريخية الأوروبية، مثلاً، التي تفاوتت مواقفها من كيفية التعامل مع الدين، كما من العلمانية. وكانت المسيحية شهدت مع مطلع القرن السادس عشر إطلاق مارتن لوثر ما بات يعرف بحركة الإصلاح الديني. ففي حينه لم تكن المسألة تتعلق بتغيير الدين، أو نزع قداسته، أو إدخال تعليمات جديدة على الإنجيل، لأن مارتن لوثر هو أصلاً رجل دين، وإنما كان الغرض تحرير المقدس من استغلال البابوات، الذين كانوا بمثابة سلطة، حتى أنهم تجرأوا على الله ذاته بادعاء أنهم يملكون حق إعطاء «صكوك غفران» للناس، وهي بمثابة وثائق تغفر خطاياهم وتمنحهم مكانًا (طابو) في الجنة، مقابل مبلغ مالي معين. وكان بيان لوثر، في وقته، بمثابة ممهّد للتحرر من السلطتين الدينية والمدنية المتحالفتين معًا، أي من استبداد رجال الكهنوت (السلطة الروحية)، الذين ادعوا أنهم واسطة بين الناس والرب، ومن استبداد الملوك (السلطة الزمنية) الذين ادعوا أنهم يمثلون سلطة الله على الأرض؛ إذ عند لوثر فإن علاقة الإنسان بربه لا تحتاج إلى أي واسطة. وفي ذلك الحين، ولما كانت سلطة رجال الدين تستند إلى تمكنهم من اللغة اللاتينية، واحتكارهم تفسير «الكتاب المقدس»، المكتوب بتلك اللغة، قام لوثر بترجمة هذا الكتاب إلى الألمانية، ونشره على الملأ، بحيث أصبح متاحًا للناس جميعًا، كاسرًا بذلك احتكار رجال الدين للتفسير وللسلطة الدينية؛ وكان هذا معنى الإصلاح الديني وبداية فكرة الحرية والعقل، والتمييز بين الديني والدنيوي.

ثانيًا، إن فكرة «الإصلاح الديني» لا تتقصّد نفي الدين أو تحويره ولا الاصطفاء منه، وإنما تنزيهه عن أغراض السياسة، والمصالح الخاصة والأهواء والعصبيات، وتفسيره بحسب أهواء السلطات، وقصره على بعض طقوس وممارسات مع حجب القيم الإنسانية التي يتمثّلها. بمعنى آخر فإن القصد هو تحرير الدين من الاستغلال، البشري - السلطوي، كي يبقى في دائرة المقدس، وتاليًا إصلاح أحوال الناس، الذين يحملون الدين ويطبعونه بطابعهم، ما يحرر الدين من التاريخ، ويخضع التجربة البشرية التاريخية للفحص والنقد والمساءلة، بهدف تحرير عقول البشر، وتحررهم عمومًا.

ثالثًا، لعل المقاصد الأساسية لهذه الفكرة تتمثّل أساسًا في التمييز بين الدين، كنصّ مقدس وكطقوس ورموز، وبين ما حُمّل من مدخلات عبر العصور، من قبل مفتين وفقهاء ورجال دين، تبعًا لأهوائهم ومصالحهم وعصبياتهم وتحيّزاتهم. وكذلك التمييز بين قيَم الدين، التي تدعو إلى الهدى والرحمة والحق والعدل والخير والمساواة بين الناس أجمعين، وتعاملات البشر التي تخضع أيضًا للأهواء والمصالح وعلاقات القوة والمكانة وتحيّزات السلطة. ويأتي ضمن ذلك، أيضًا، التمييز، بين الإسلام والمسلمين، مع تعذّر التطابق، بسبب تباين الإدراكات الثقافية والاختلافات الحضارية والتنوعات اللغوية، والتجارب التاريخية للمجتمعات، علمًا أن العرب لا يشكلون سوى 20-25 في المئة من المسلمين. إذ عدا عن الاختلافات بين "إسلامات" العرب ذاتهم، بين المشرق والمغرب والجزيرة، مثلاً، فثمة اختلافات بينهم وبين "إسلامات" المسلمين في إندونيسيا أو الهند أو آسيا الوسطى وهكذا، ناهيك عن التباين بين إسلام "سنّي" وإسلام "شيعي" أو غير ذلك. ومعلوم أن هذه يفترض أن تكون اختلافات طبيعية، لا تنشأ من علاقات السياسة والقوة، ولا ينشأ عنها عصبيات هوياتية، ولا صراعات على المكانة والسلطة، بمعنى أنها اختلافات يفترض أن بالإمكان هضمها واستيعابها، لأن الإسلام، في الممارسة، يكون وفق المسلمين، في كل بلد، أي تبعًا لثقافة أهله وخبراتهم وتقاليدهم، بغضّ النظر عن وحدة النص، أما لماذا لم يحصل الأمر على هذا النحو، فهذا ما نجم عن الصراعات والتوظيفات الدنيوية والسياسية، وهذا ما يفترض أن تتصدى له عملية الإصلاح الديني.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter