ما بعد الاستفتاء في كردستان


تداعيات ما بعد الاستفتاء في كردستان على العراق ودول الجوار سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا


كـاتب وبـاحث سيـاسي مصري/سيد أبو زيد عمر
كـاتب وبـاحث سيـاسي مصري



تمهيد

إصرار مسعود البرزاني على إجراء الاستفتاء حول استقلال الإقليم الكردي عن العراق يوم 25 سبتمبر 2017، كانت قفزة إلى المجهول بين الحلم والوهم، فقد كانت كل الحسابات الواقعية تدعو إلى إرجاء التفكير في هذا الأمر، فهي خطوة مخالفة للدستور العراقي، الذي تم وضعه والاستفتاء عليه بمشاركة وموافقة كردية كاملة، ونصت مادته الأولى على أن "جمهورية العراق دولة واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري برلماني ديموقراطي، وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق" ولم يرد بالدستور حرفًا واحدًا يمنح حقًا لأحد في الانفصال عن العراق.

والواقع أن أكراد العراق قد حظوا بما لم يحصل عليه أي من التجمعات الكردية الثلاثة الأخرى في الشرق الأوسط، ففي الوقت الذي تعتبر تركيا الأكراد لديها "أتراك جبال" وتخوض حرب تكسير عظام مع حزب العمال الكردستاني، يخضع الأكراد في إيران بالقوة المفرطة لما يروجه نظام ولي الفقيه هناك عن وحدة العنصرين الفارسي والكردي من خلال العرق الآري الذين يربطهما الإسلام، وينشغل أكراد سوريا بتنفيذ السياسات الأمريكية من خلال الدعم العسكري الذي تقدمه الأخيرة للقوات السورية الديموقراطية (قسد) لمواجهة داعش. كان أكراد العراق يعيشون ظروفًا مغايرة ضمن أعراق ومذاهب عديدة بحيث يفترض أن تفضي إلى مودة وعيش مشترك، كما وافق النظام العراقي عام 1970 على منح الأكراد حكمًا ذاتيًا، غير أن عوامل الصدام  كانت غالبة في بعض الفترات إزاء تسلط الرغبة لدى عشيرة برزان ومن يناصرها للتمرد والمواجهة.

وأدى الغزو الأمريكي إلى متغيرات جوهرية في الأوضاع الكردية، فمن الثابت أن إقامة منطقتي حظر طيران بعد تحرير الكويت، ومغادرة القوات العراقية للمنطقة الكردية في أكتوبر 1991 قد أعطت الأكراد حرية مطلقة للتحرك وفتح المنطقة كملاذ آمن لمتمردي الأكراد من الدول المجاورة. وكانت الزعامات الكردية المسيطرة على الإقليم رأس حربة لتمكين القوات الغازية من إنشاء جسور متقدمة لاستطلاع الجيش العراقي والاتصال ببعض قياداته. وكان الحزبان الكرديان على رأس جماعات المعارضة التي نسقت مع الجانب الأمريكي عام 2003 للقضاء على النظام القائم. وكان من الطبيعي أن يكون لها حصة في المجلس الرئاسي الذي شكله السفير بريمر بعد الغزو (13 شيعة – 5  سُنَّة – 5 أكراد – 1 مسيحي – 1 تركمان)، وذلك بعد فرض نظام المحاصصة والفيدرالية باتفاق مسبق مع القيادات الكردية.

وجدير بالإشارة أن الأكراد كانوا الجماعة الوحيدة في العراق التي حظت بحق تكوين إقليم حكم ذاتي منذ عام 2005 طبقًا للدستور من محافظات أربيل والسليمانية ودهوك، بل وتضمن الدستور آلية للاتفاق على المناطق المتنازع عليها والتي يطمح الأكراد في ضمها للإقليم، ويتمتع الإقليم بحكم ذاتي ديموقراطي برلماني كامل. وجعل كلاً من العربية والكردية لغتين رسميتين للعراق، وتم الاتفاق طبقًا لنظام المحاصصة أن يشغل كردي منصب رئيس الجمهورية (جلال الطالباني – فؤاد معصوم)، وظل هيشيار زيباري وزيرًا للخارجية إلى عهد قريب. وفضل مسعود برزاني أن يكون رئيسًا للإقليم، وجرى انتخابه مرتين منذ 2005 إلى 2015، ولم تجر انتخابات بعدها لخلافات داخلية في الإقليم وتم المد لهما بحكم قضائي ليس له الحجية الكاملة، بمعنى أن المجلس التشريعي ورئيس الإقليم قد انتهت ولايتهما منذ عامين. وتوسع الأكراد في رفع علمهم في الأراضي المتنازع عليها بعد تحريرها، والتي اضطروا إلى الانسحاب منها مؤخرًا.

تداعيات الاستفتاء في العراق

ثبوت فشل مسعود البرزاني في تقويم الموقف في الداخل والخارج قبل إقدامه على هذه الخطوة المصيرية، للاعتبارات التالية:

* وقوفه في الأساس على قاعدة مهتزة في الإقليم الكردي الذي تمزقه الخلافات والانقسامات.

* شدة المعارضة الداخلية في العراق للاستفتاء، سواء من الحكومة أو من المجلس النيابي والقوى الشعبية والأحزاب من مختلف المذاهب.

* توحد الموقف العربي في التأكيد على وحدة وسلامة الأراضي العراقية، بل ولم يكتف أمين عام جامعة الدول العربية بالرسالة التي وجهها إلى رئيس الإقليم وإنما بادر بزيارة العراق ولقاء مسعود البرزاني لمحاولة إثنائه عن الاستفتاء مع الاستعداد للتوسط حول المشاكل الثنائية المعلقة.

* غلب على الموقف الدولي التأكيد على وحدة الأراضي العراقية والدعوة للتهدئة والحوار بين الأطراف. ولم يكن الموقف الأمريكي مساندًا للاستفتاء، وكان جل اهتمامه منصبًا على أن لا تؤثر هذه الأزمة على جهود العراق في مواجهة الإرهاب.

* انفراد إسرائيل بمساندة الانفصال وبكل هذا الحماس، لم يكن لصالح القضية الكردية في المنطقة على الأقل، فلم تخف أنها تأمل بذلك تفتت العراق، وبما يعد ضربة للسياسات الإيرانية وتغولها في العراق، ويؤدي إلى جعل إسرائيل دولة جوار إقليمي لإيران من خلال علاقتها الوثيقة بكردستان.

تصاعد الخلاف بين الفرقاء في الإقليم الكردي: فقد كانت رقعة الخلاف والتجاذب قائمة قبل إعلان مسعود البرزاني الدعوة للاستفتاء، بل إنه كان يجد صعوبة في مواجهة جبهة عريضة من المعارضة، لم تقتصر على الاتحاد الوطني الكردستاني شريكه في الحكم، وفى نفس الوقت منافسه التاريخي والتقليدي، بل شملت حركة التغيير ثالث أكبر الأحزاب في الإقليم، والذي كان البرزاني قد طرده من حكومة الإقليم عام 2015، إلى جانب حزبي الجماعة الإسلامية في كردستان والتحالف من أجل الديموقراطية والعدالة (ومقرهما في السليمانية)، وكانت جبهة المعارضة تتهم مسعود برزاني بالديكتاتورية واستغلال النفوذ، وتطالب بإعادة تنظيم وتقسيم السلطة في كردستان وتشكيل حكومة مؤقتة من أجل الإشراف على الانتقال إلى ديموقراطية برلمانية.

ومن المعتقد أن الدعوة إلى الاستفتاء كانت نابعة من تصور البرزاني بأنه عمل بطولي يجسد الدولة التي داعبت مشاعر الأكراد عبر العقود الماضية، وأن هذا يمكن أن يذيب الخلافات، ويثبت من مكانته كزعيم للأكراد. غير أن الموقف جاء عكس ما توقعه إزاء ردود الفعل غير المواتية على كافة الأصعدة، وبدأت الحكومة اعتبارًا من 16 أكتوبر في فرض سلطتها الاتحادية على الأراضي المتنازع عليها، ووقف البرزاني متهمًا معارضيه بخيانته وسحب فصائل البيشمرجة التابعين لهم باتفاق مع الحكومة، مما اضطره إلى سحب بقية الوحدات من تلك الأراضي، ويتردد أن سيطرة الجيش العراقي على كركوك بسهولة نسبية يرجع إلى اتفاق سري بين بغداد وعائلة طالباني بوساطة إيرانية في حين أكد بافل طالباني نجل الزعيم الكردي جلال طالباني أن الانسحاب كان ضرورة بعد مقتل أكثر من مائة مقاتل كردي والتيقن من أن الجيش العراقي يمتلك قوة أكبر من النيران، وهو ما شجع المناوئين له على التحرك،   والمطالبة بتنحيته عن رئاسة الإقليم وتوزيع سلطاته، والدعوة إلى حل الحكومة  وإنشاء حكومة إنقاذ وطني. وفي 25 أكتوبر وافقت حركة التغيير على العودة إلى مجلس النواب بالإقليم بعد حصولها على ضمانات بتنحي البرزاني من منصبه، غير أن البرزاني تعامل بعنف مع الحركة واقتحم أنصاره قاعة البرلمان، وأقدم أنصاره في دهوك وزاخوا على حرق مكاتب حركة التغيير والاتحاد الوطني الكردستاني.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter