مشاكل البيئة بين السياسة والاقتصاد


البيئة والعلاقات الدولية ... من الأنسنة إلى التنمية


روائي وباحث في علم الاجتماع/د.عمار علي حسن
روائي وباحث في علم الاجتماع السياسي - القاهرة



ما يطرأ على "البيئة" من كوارث طبيعية بحتة، أو بفعل تدخل البشر، فرض نفسه على العلاقات الدولية، في شقيها الذي يدور حول "الصراع" و"التعاون" وكذلك "التباعد" و"التكامل"، حتى بات مبحثًا أصيلاً منها، تتجاذبه عقول الباحثين في مشارق الأرض ومغاربها، وتنعقد حوله المؤتمرات والندوات، وترسم حوله "استراتيجيات" دولية، تتناوله إما منفردًا، أو في سياق حوار دولي أوسع حول علاقة الشمال بالجنوب، و"فائض القيمة التاريخي"، و"حدود القوة" في النظام الدولي، وكل ما يمت بصلة إلى "العولمة" بمختلف تجلياتها، وأشكال تواجدها، وحالات التفاعل معها، قدحًا ومدحًا، وحدود تأثيرها في الزمان والمكان، وكذلك مسألة "الإرث الإنساني المشترك" أو "الممتلكات العالمية المشاعة"، وهي الموارد التي يتاح استخدامها للمجتمع الدولي، والتي لا تخضع للسلطة القانونية لأي دولة، كالمحيطات والجو وقيعان البحار العميقة.

وبداية فإن العلاقات الدولية ظفرت بتعريفات عدة، ومدارس متنوعة تناولتها، جزئيًا وكليًا، تلاقت في أشياء، وتباعدت إلى حد التناقض في أخرى، وحتى لو كان بعضها قد انطوى على متشابهات من أسرة واحدة، فإن هذا لم يقض على الطابع المميز لكل منها. وجاءت البيئة "مفهومًا" و "واقعًا" لتحفر لنفسها مكانًا، وسط هذا السيل العرم من التعريفات والمقاربات النظرية للعلاقات الدولية، عبر دخولها على بعض المفاصل الأساسية لمختلف التعريفات والمفاهيم.

فالعلاقات الدولية في أبسط تعريفاتها هي "العمليات التي تجري عبر الحدود، شاملة ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي وعسكري وتقني". وهذه ألوان أو أنواع للكوارث البيئية المصطنعة والطبيعية نصيب في كل منها، لأنها في خاتمة المطاف، قضية سياسية، إن أدت إلى توتر أو تفاهم بين دولتين، أو عدة دول، وقد يتطور النزاع حولها إلى صدام مسلح، يفتح قضية البيئة على الجوانب العسكرية. كما أن للبيئة "ثمنًا" اقتصاديًا، لارتباطها المباشر بقضايا التصنيع والصيد والزراعة واستصلاح الأراضي، والتنمية المستدامة، أو المستمرة.

ومثل هذا الوضع أنتج ثلاث مسائل رئيسة:

1- ما فرضته البيئة من تحديات مهمة لنظرية العلاقات الدولية، في وقت احتلت فيه قضايا البيئة موقعًا متقدمًا على جدول الأعمال الدولي لجيل كامل من الزعماء السياسيين، والمسؤولين وصناع القرار، ورجال الصناعة ومهندسيها، والعلماء بمختلف تخصصاتهم، والمواطنين الغيورين على صحة الإنسان، وثراء الطبيعة.

2- ما جرى من توزع الجدل العلمي حول البيئة على مختلف نظريات العلاقات الدولية. فالعلماء الذين عكفوا على دراسة هذا الأمر كانوا مختلفي المشارب والاتجاهات، واستغل كل منهم تعقد هذا الموضوع وتشعبه، ليجذب القضية إلى المساحة النظرية التي يقف عليها، مستخدما العديد من الأدلة التي تدعم وجهة نظره، سواء كان من أصحاب النظرية "الواقعية" أم "الواقعية الجديدة"، أم "التعددية" أم "المؤسساتية الليبرالية" أم "البنيوية" أم "الماركسية الجديدة"، أم ممن يطالبون بالمساواة بين الجنسين.

3- وجود همزات وصل بين البشري والطبيعي في الكوارث، بل إن العلاقة بين الاثنين تصل إلى حد السببية في بعض الظواهر. فبعض العلماء يرى مثلاً أن إعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة الأمريكية نجم عن ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية، من جهة، وعن عدم مطابقة تخطيط مدينة نيو أورلينز، التي اجتاحها الإعصار، لشروط حماية البيئة، من زاوية تجفيف معظم الأرض الرطبة التي تحيط بالمدينة، والتي كان من شأنها أن تمتص جزءًا كبيرًا من مياه الفيضان.

 وهذه حالة من حالات الاستخدام البشري الجائر للطبيعة، والذي يخل بالتوازن البيئي والأيكولوجي، والذي دفع مؤتمر للأمم المتحدة عقد بجنيف عام 2004 إلى أن يربط بين تغير مناخ الكرة الأرضية والتحول الحضري السريع في دول كثيرة وبين الكوارث الطبيعية، ويبرهن على ذلك بلغة الأرقام. فحتى عام 1990 شهد العالم 261 كارثة طبيعية، نكب بها نحو 90 مليون شخص. وفي 13 عامًا فقط، تراوحت بين 1990 و 2003، وقعت 76 كارثة أضرت 164 مليون شخص.

وبصفة عامة فحاصل ضرب قضايا البيئة في نظريات العلاقات الدولية ينتج عدة مسائل مهمة، يمكن ذكرها على النحو التالي:

1 ـ أنسنة العلاقات الدولية:

وهذه مسألة تبدو "طوباوية" في ظل علاقات دولية تجنح إلى التنافس والصراع أكثر مما تميل إلى التعاون والتكامل، لكن لا يجب أبدا التخلي عن هذه الرؤية المثالية والكفاح من أجل تحقيقها، أو على الأقل الحد من غلواء الصراع، ودفع العالم إلى شريعة الغاب. وتجد هذه الرؤية ظلها في "القانون الدولي الإنساني"، الذي لم يكتف بتنظيم علاقات الدول وقت السلم، بل امتد إلى ساحات الحرب، لحماية المتضررين من النزاعات المسلحة. وجسد قانونا "جنيف" و"لاهاي" هذا الأمر، فالأول يتعلق بحماية فئات معينة من الأشخاص والأموال الثابتة والمنقولة، في حين ينظم الثاني استخدام وسائل القتال وطرقه وسلوك المتحاربين. وكل ما سبق يمثل "قانون الحرب" وهو الحد الذي لم يقف عنده فقهاء القانون الدولي، بل طرحوا مفهومًا أكثر تقدمًا وهو "القانون المضاد للحرب"، أو منع "حق الحرب"، باعتبار أن حظر الحرب يجب أن يكون هو الأصل.

وتسير قضايا البيئة على المنوال ذاته، إذ إن الجهود التي بذلت من أجل بيئة نظيفة وطبيعية، دارت في الأساس حول علاقات دولية "إنسانية"، يتكاتف فيها البشر من أجل مصالحهم المشتركة، ويتعاملون في الوقت ذاته برفق ورحمة مع الكائنات الأخرى التي تعيش معهم، من حيوان ونبات.

ويدل استعراض الاتفاقيات البيئية الرئيسة متعدد الأطراف Key multi-lateral environmental agreements على هذا الأمر بجلاء، فالاتفاقية الدولية لتنظيم صيد الحيتان (1946) تمكنت بعد إقرارها بتسعة وثلاثين عامًا من تعليق صيد هذا الحيوان النادر ٍلأغراض التجارة، وإقامة محميات طبيعية له. ومعاهدة انتاركتيكا (1959) وما لحقها من اتفاقية وقعت عام 1980 وبرتوكول مدريد (1991) عملت على حفظ الموارد الحية. وهناك اتفاقية ماربول (1973)، التي تضع قواعد تفريغ النفط وغيره من المواد الضارة من السفن، بما يحمي البحار من التلوث. وفي العام نفسه وقعت اتفاقية لمنع الاتجار الدولي في الحيوانات المهددة بالانقراض. وبعدها بست سنوات وقعت اتفاقية للحد من التلوث الجوي. وفي عام 1985 وقعت اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون، ثم بروتوكول مونتريال (1987) المتعلق بالمواد المستنفدة من الأوزون. وبعد ذلك بخمس سنوات جاءت اتفاقية الأمم المتحدة حول "تغيير المناخ"، تبعها بعد خمس سنوات أيضًا بروتوكول كيوتو حول المسألة نفسها. وقد أقرت هذه الاتفاقية بالمسؤولية التي تقع على عاتق البلدان المتقدمة عن التغير المناخي الذي ينجم عن أفعال البشر، وفي عام 1992 وقعت اتفاقية الأمم المتحدة المعنية بالتنوع الإحيائي، وبروتوكول قرطاجة بشأن السلامة في التقنية الإحيائية.

ورغم أن هذه الاتفاقيات لم تلق تطبيقًا كاملاً، وتشهد انتهاكًا لبنودها، خاصة من الدول الكبرى، فإن النضال مستمر في سبيل تنفيذ كل ما حوته، في سبيل نفع البشرية جمعاء، وتعزيز الجانب الإنساني في علاقات الدول، ودفع الدول الكبرى إلى أن تلتفت إلى توجيه جزء من ميزانياتها الضخمة إلى البيئة، ودرء الكوارث، وإدارة الأزمات التي ينتجها "غضب الطبيعة"، ومساعدة البشر على التغلب على الأخطار التي تحدق بهم، ومنها الأمراض الخطرة، بدءًا من "سارس" ( الالتهاب الرئوي الحاد اللانمطي) في آسيا إلى "جنون البقر" في أوروبا، إلى "الإيدز" و"السرطان" في كل أنحاء العالم.

2 ـ تسييس الطبيعة:

ما من شك في أن حياتنا صارت مسيسة بشكل أو بآخر، فقد أصبحت السياسة متداخلة مع الكثير من سلوكنا، وعاداتنا اليومية، وامتد ذراعها، فطوق كل ما كنا نعتقد في الماضي أنه بعيد عنها كل البعد. وعملية تسييس الظواهر الاجتماعية كانت هي الآلية التي ميزت علم السياسة في القرن العشرين عن القرون التي خلت، فقديمًا كان هناك فرق واضح بين السياسي والأخلاقي. فالإجهاض، مثلاً، كان في القرن التاسع عشر مسألة أخلاقية، وكان وضع الأسرة ومسائل الصحة والتربية بعيدًا عن اهتمامات السياسة، باسم احترام الحياة الخاصة. أما في القرن العشرين، فتم توسيع ميدان السياسة، ليشمل كل المسائل السابق ذكرها، وامتدت شبكة التفسير السياسي إلى كافة النشاطات الإنسانية، بل وصلت إلى الظواهر الطبيعية. فعدم هطول المطر، أو وقوع الزلازل، يبدو لأول وهلة أمرًا بعيدًا عن السياسة، لكن إعادة النظر في هذه المسألة سيقود إلى نتيجة مفادها، أن السياسة تقع في قلب هذه الظاهرة الطبيعية. فبعض الناس يعتقدون أن هذه الكوارث نجمت عن غضب الله سبحانه وتعالى على الحكام، لظلمهم وفسادهم، وفي كل الأحوال فإنهم سيلجؤون إلى السلطة لتنقذهم مما حل بهم من خسائر، وعليها أن تستجيب، في هذه الأوقات الحرجة، حفاظًا على الشرعية وضمانًا للاستقرار السياسي.

في ظل هذا الفضاء العام لتسييس الظواهر تأتي قضايا البيئة لتلقي بنفسها في غمار العملية السياسية، في بعديها المحلي والدولي. فهذه القضايا برزت في نهاية القرن العشرين إلى واجهة الاهتمامات السياسية العالمية، فهي حتى في جانبها التقني تستدعي استجابات سياسية. وجاء رد الفعل السياسي على ما فرضته البيئة من قضايا في شكل استحداث أنظمة ومؤسسات للتحكم في البيئة، وإبرام اتفاقيات عالمية بشأنها، وقيام أنماط عدة من التفاعلات الدولية حولها.

 

3 ـ  إنتاج فاعلين دوليين جدد: 

فنظرية العلاقات الدولية التقليدية كانت تنظر إلى الدولة على أنها الفاعل الرئيسي في النظام الدولي. لكن التاريخ الحديث والمعاصر شهد ميلاد "فاعلين دوليين" آخرين. وكانت لقضية البيئة نصيب في هذا المضمار. فخلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم، ولدت ونمت حركات "الخضر" والعديد من المنظمات البيئية والصناعية غير الحكومية، وراحت تمارس دورًا عالميًا في سبيل الحفاظ على البيئة، جنبًا إلى جنب مع الدول.

وقد تمكنت هذه المنظمات من إيجاد حالة من المعارضة ضد صيد الحيتان، وامتد نشاطها إلى مقاومة التلوث الإشعاعي والنفطي، وإلى قضايا "المشاعات العالمية"، وأصبح بعضها، مثل "الصندوق العالمي للحياة البرية" و"المعهد الدولي للبيئة والتنمية"، يقدم النصح للحكومات، بشكل دوري، وتمكن بعضها من الحصول على صفة مراقب في مؤتمرات الأمم المتحدة حول البيئة، بل إن بعضها يحضر ضمن الوفود الوطنية الممثلة في هذه المؤتمرات. وهذا الحضور الفعال جعل هذه المنظمات تتحدث، شأنها في ذلك شأن منظمات نظيرة تهتم بقضايا أخرى، عن "المجتمع المدني العالمي".

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter