الملف الثقافي


زكــــريا أحمــــــــد امتداد القرن التاسع عشر في القرن العشرين


قائد اوركسترا وناقد وباحث ومؤرخ موسيقي - لبنان/المايســترو ســـليــم ســـحاب
قائد اوركسترا وناقد وباحث ومؤرخ موسيقي - لبنان



بدأ القرن العشرون بداية مأسوية بل كارثية على الموسيقى العربية، فقد فقدت موسيقانا منذ بداية القرن وعلى ثلاث سنوات متعاقبة ثلاثة عمالقة كانوا يمثلون بل يلخصون مدرسة القرن التاسع عشر وهم مع سنوات وفاتهم:

1900 – محمد عثمان زعيم مدرسة التلحين والمجدد في شكل الموشح والدور.

1901 – عبده الحامولي المطرب الكبير وزعيم مدرسة الغناء.

1902 – أحمد أبو خليل القباني الدمشقي مؤسس المسرح الغنائي العربي منذ ستينيات القرن التاسع عشر في الإسكندرية.

وإن كان هذا يمثل شكليًا نهاية مدرسة وبداية أخرى، فتطور الحضارة الإنسانية لا يسير على هذا الشكل. فالمعروف أن كل مرحلة من مراحل تطور الحضارة الإنسانية تولد وتنمو وتكبر إلى أن تصل إلى مرحلة الشيخوخة. وقبل آخر مرحلة، أي مرحلة الشيخوخة، تبدأ إرهاصات مرحلة جديدة نابعة منها لكنها تحمل عناصر جديدة تنمو مع الوقت. ويستمر التعايش بين هاتين المرحلتين إلى أن تنضج المرحلة الجديدة، فتستقل عن المرحلة الأم القديمة لتنمو وتكبر وحدها تمامًا، كما يبقى الجنين في رحم أمه تسعة أشهر قبل استقلاله عنها. وكما أن الجنين يحمل جينات أمه وينمو لاحقًا ككائن مستقل، فإن المرحلة الجديدة تنمو في رحم المرحلة السابقة لكنها تحمل عناصر جديدة تطبع المرحلة الجديدة من هذا التطور.

لذلك نقول إن وفاة زعماء القرن التاسع عشر في الموسيقى والغناء لا يعني انتهاء مرحلة بشكل قاطع وبداية مرحلة جديدة، وإن كان هذا صحيحًا تاريخيًا وشكليًا، إذ لا بد من مرحلة تتعايش فيها المرحلتان جنبًا إلى جنب قبل استقلال المرحلة الجديدة نهائيًا. وكان ظهور الأسطوانة في مصر سنة 1903 أي سنة واحدة بعد وفاة آخر كبار القرن التاسع عشر، أقول كان ظهور الأسطوانة أحد الأسباب المهمة جدًا في تمديد استمرار تعايش مدرسة القرن العشرين مع مدرسة القرن التاسع عشر بالرغم من وفاة زعمائها، ذلك أن المطربين المخضرمين بين القرنين والذين كانوا يغنون كمذهبجية (كورس) لكبار مطربي القرن التاسع عشر، سجلوا أغاني هؤلاء مع باقي تراث القرن التاسع عشر على أسطوانات، مما ساعد على امتداد تعايش المدرستين. وظهر في هذه الفترة ملحنون كبار كان انتماؤهم الموسيقي للمدرسة السابق مع كونهم عاشوا في القرن العشرين، وأكبر هؤلاء بلا شك كان زكريا أحمد.

السيرة الذاتية والشخصية الفنية

بدأ الشيخ زكريا أحمد حياته في كُتَّاب الشيخ نِكلة، ثم انتقل إلى الأزهر، حيث أمضى سبع سنين في حفظ القرآن والتواشيح الدينية. وعند انتهاء مرحلته الأزهرية بدأ يحضر الموالد والأذكار في السرادقات ليستمع إلى كبار الشيوخ المقرئين والمطربين. وكانت هذه هي المدرسة الموسيقية الغنائية في ذلك الوقت. بعد ذلك درس على الشيخ درويش الحريري معلم كبار المطربين في ذلك العصر. وأدخله الشيخ الحريري بطانة شيخ المقرئين والوشاحين علي محمود. وكان الشيخ علي محمود تلميذ الشيخ عبد الرحيم المسلوب العلاَّمة في تراث القرن التاسع عشر وما سبقه والذي عاش على امتداد ثلاثة قرون: أواخر القرن الثامن عشر، كل القرن التاسع عشر، والثلث الأول من القرن العشرين، ويقال إنه عاش حوالي 130 سنة.

وإلى جانب عبد الرحيم المسلوب تتلمذ زكريا أحمد على عثمان الموصلي عالم الموشحات الشامية وأستاذ سيد درويش في مرحلته الشامية، والذي علَّمه في أثنائها كل التراث الشامي المشرقي. علمه الشيخ علي محمود الآذان فجرًا على نغمات مختلفة، إلى جانب التجويد والسيرة النبوية والتواشيح. وتظهر هذه الفترة من حياة زكريا أحمد بشكل واضح في بداية فيلم (ليلى بنت الفقراء) حيث نرى الشيخ زكريا أحمد وسط بطانته وهو ينشد التواشيح الدينية على طريقة القرن التاسع عشر.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter