دراسات


الهجرة السّرية عبر المتوسط بين الإشكالات الإنسانية والهواجس الأمنية


باحث أكاديمي - مراكش/د.إدريس لكــريني
باحث أكاديمي - مراكش



مقدمة

ظلّت الهجرة على امتداد التاريخ الإنساني، تستجيب لتطلعات الأفراد في مناطق مختلفة من العالم، نحو تطوير حياتهم وتغيير ظروف عيشهم لحياة أفضل. وبفضل هذه الظاهرة، انتشرت الأديان السماوية والعلوم والمعارف، وتواصلت الشعوب فيما بينها.

تراجعت حدّة الهجرة مع توجّه الدول إلى فرض التأشيرات ومراقبة الحدود، وبدأ الحديث عن هجرة “قانونية” وأخرى “غير قانونية” خلافًا للمواثيق الدولية الداعمة لحرية التنقل واللجوء.

ورغم التحولات التي شهدها العالم في أعقاب نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين وما تلاهما من انفتاح اقتصادي وتحرير للتجارة، وحدّ من التعريفات الجمركية، وفتح المجال أمام تداول المعلومات والخدمات بفعل رياح العولمة، فإن هذه الأخيرة استثنت من ذلك حرية مرور الأشخاص.

ونتيجة لمجموعة من الظروف والعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، تحوّلت الهجرة في عصرنا الحالي إلى معضلة ألقت بظلالها، سواء بالنسبة للدول “المصدرة” أو “المستقبلة” من منطلق تداعياتها وانعكاساتها المختلفة على الطرفين.

عرفت ظاهرة الهجرة السّرية في منطقة المتوسط تطوّرا غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة بفعل تصاعد الأزمات العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها الكثير من الدول في عدد من الدول الإفريقية والعربية.

أولاً - الهجرة في المتوسّط.. بين قدر الجوار وإشكالات العبور

تعدّ حرية التنقل من ضمن أهم الحقوق المتاحة للأفراد بموجب الدساتير والاتفاقيات والمواثيق الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان، فالمادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تؤكد على أنه "لكل فرد حرية التنقل واختيار محلّ إقامته داخل حدود كل دولة. ويحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه"، فيما تشير المادة 14 منه، على أنه "لكلّ فرد الحق في أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هربًا من الاضطهاد..".

وقد تباينت الرؤى والاجتهادات الفقهية، حول الطبيعة القانونية لهذا الحق، بين من اعتبر ممارسته مقتصرة على حدود الدّولة الواحدة من جهة أولى، وبين من اعتبره يتجاوز ذلك إلى دول أخرى من جهة ثانية، وبين من اعتبر هذا الحق مطلقًا وأساسيًا ولازمًا لممارسة حقوق وحريات أخرى من ناحية، وبين من اعتبره نسبيًا يفرض ممارسته ضمن حدود القوانين والتشريعات المرعية، من ناحية أخرى.

فتحت أوروبا الغربية الحدود على مصراعيها أمام المهاجرين من بلدان مختلفة في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما كانت بحاجة إلى سواعد لإعادة بناء ما دمّرته الحرب وتجاوز مخلّفاتها الكارثية، قبل أن تشرع في إغلاق هذه الحدود بإحكام فيما بعد، من خلال اتخاذ تدابير أمنية ميدانية وسنّ قوانين تدعم هذا الخيار.

فخلال السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي وما تلاه من رغبة متزايدة في توسيع الاتحاد الأوروبي من جهة، وتصاعد وتيرة الهجرة الإفريقية إليه تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة من جهة أخرى. شرعت الدول الأوروبية في سنّ مجموعة من القوانين، واتخاذ العديد من التدابير والإجراءات من أجل تنظيم هذه التدفقات نحو بلدانها والحدّ منها، الأمر الذي أسهم في تزايد الهجرة السّرية.

تخلّف الهجرة السرّية تداعيات سياسية واجتماعية واقتصادية كبرى، ويزداد حجم هذه الهجرة كلّما كان الفارق الاقتصادي والاجتماعي شاسعًا بين إقليمين متجاورين.

وقد تنامت حدّتها خلال العقود الثلاثة الأخيرة نتيجة لعوامل عسكرية مرتبطة بالحروب والنزاعات، أو تحت وطأة الكوارث والعوامل الطبيعية كالجفاف..، أو بفعل عوامل سياسية مرتبطة بغياب الحريات وهيمنة الاستبداد. وتحت ضغط عوامل اجتماعية واقتصادية في علاقتها بالبحث عن عمل وظروف عيش كريم.

إن ركوب الكثير من الأشخاص لغمار الهجرة السرية في ظروف غير إنسانية ومهينة، يعود في جانب أساسي منه إلى حالة الإحباط التي يشعر بها الكثير من الشباب نتيجة للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يواجهونها داخل بلدانهم.

وخلال السنوات الأخيرة تزايدت نسبة الهجرة عبر المتوسط تحت ضغط مجموعة من العوامل، فتبعًا لمعطيات قدمتها المنظمة الدولية للهجرة، فقد عبر حوالي أربعون ألف شخص نحو الضفة الشمالية للأبيض المتوسط في ظروف صعبة وعبر مراكب وقوارب مهترئة عام 2013، فيما بلغ عدد المهاجرين في نفس الاتجاه وخلال الأشهر الخمسة من عام 2014 أكثر من أربعين ألف مهاجر.

إن الهجرة السّرية ليست جديدة في المنطقة، فقد برزت بشكل جليّ في أواخر الثمانينيات، غير أنها تطورت بشكل لافت نتيجة التدابير الصارمة التي اتخذتها دول الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن، ذلك أنها لم تعد مرتبطة بمبادرات فردية، بل أصبحت تنظّم في إطار شبكات منظمة وعابرة للحدود.

وقد أخذت هذه الظاهرة أبعادا خطيرة بعد ظهور شبكات منظمة للجريمة وسط المهاجرين غير الشرعيين.([1])

وتعود الهجرة المكثفة عبر المتوسط في الأساس إلى مجموعة من العوامل، نتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها العديد من الدول الإفريقية، وبخاصة منها الواقعة في إفريقيا جنوب الصحراء والساحل، حيث تقترن هذه المشاكل بالصراعات السياسية والعسكرية وضعف الدولة المركزية وعدم قدرتها على بسط السيطرة على ترابها.

كما أن هذه الدول تعدّ معبرًا نحو الضفة الأخرى، كونها تتميز بطول حدودها ووعورة تضاريسها، بما يعقد عمليات مراقبة العبور.

وقد أدّت تحولات الأوضاع في المنطقة وما رافقها من ارتباكات أمنية وسياسية وصعوبات اجتماعية تتمثل في انتشار البطالة والفقر، إلى تنامي هذه الظاهرة([2])، سواء تعلّق الأمر بمواطني هذه الدول، كما هو الشأن بالنسبة لسورية وليبيا وتونس ومصر، أو تعلق الأمر برعايا دول إفريقية أخرى، بعدما تم استغلال الانفلات الأمني وضعف المراقبة البحرية والانشغالات المرتبطة بتحولات الحراك في تونس وليبيا اللتين أضحتا معبرًا مفضّلاً لعدد من المهاجرين نحو الضفة المقابلة من المتوسط.

كما أسهم التّدهور الأمني بدول الحراك بهذه المنطقة في تراجع مراقبة الحدود البحرية بشكل فعال وعدم القدرة على إسعاف المهاجرين أو تقديم العون لهم في حال تعرضهم للغرق.

فالكارثة الإنسانية التي خلفها الصراع الدموي في سورية، وما نتج عنه من قصف وتدمير أرغم الكثير من السكان إلى مغادرة البلاد في اتجاهات مختلفة طلبًا للأمن، وقد سعى الكثير منهم للوصول إلى الأراضي الأوروبية كاليونان وإيطاليا وإسبانيا، عبر المغرب وتونس وليبيا والجزائر.

وتشير التقارير أيضًا إلى أن المنطقة العربية، أصبحت مصدرًا للهجرة بكل أشكالها، كما أضحت مصدرًا لطالبي اللجوء، وخصوصا بعد تحولات الحراك التي أفرزت إشكالات سياسية وارتباكات أمنية وصراعات عسكرية، دفعت بالكثير من المواطنين إلى البحث عن فضاءات أكثر أمنًا واستقرار، وهو ما تعكسه كل من الحالة التونسية والسورية والليبية.



([1]) محمد رضا التميمي: الهجرة غير القانونية من خلال التشريعات القانونية والمواثيق الدولية، مجلة دفاتر السياسة والقانون، الجزائر، العدد الرابع، يناير 2011،  ص 271.

([2]) لمزيد من التفاصيل في هذا الشأن، يراجع، مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية: الهجرة السريّة… والبحر المتوسّط الطريق الأخطر في العالم، بتاريخ 19 مايو 2015، على الرابط الإلكتروني للمركز:

http://www.csdscenter.com

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter