ملف خاص


العقل الإسرائيلي .. من الصهيونية العلمانية إلى الصهيونية الدينية


صـــلاح محمــود ســـالم
كــاتب ومفــكر بجريدة الأهرام



لا يسهم الدين فقط في نشأة الحضارات، بل أيضًا في الحفاظ عليها مجسدة في مجتمعات ودول، أو حتى في الحفاظ على روحها لو تفككت هذه الدول والمجتمعات الحاضنة لها، وذلك عبر الاحتفاظ بالمفاهيم العقدية الأكثر تأسيسية المكونة لهذا الدين أو ذاك، وكلما كانت تلك المفاهيم أكثر إنسانية وأخلاقية، أو اتسمت بطابع كوني، كانت قدرتها على الإلهام أعمق وفي حفظ الاستمرار أكبر.

ولعل تجربة الشتات اليهودي، وما تمثله من انقطاع حضاري، يرجع إلى المفهوم الأكثر مركزية وسلبية في الديانة اليهودية، ممثلاً في تصورها القبلي عن الألوهية، الذي جعل من "يهوه" إلهًا لبني إسرائيل من الأسباط الاثني عشر، وليس إلهًا للعالمين، كما جعلت من اليهودي، لصدفة الميلاد، مختارًا من الله، وجعلت من اليهودية دينًا مغلقًا يرفض أتباعه التبشير به، على نحو أوقعها في أسر العنصرية، وحرمها من أن تكون ديانة إنسانية كبرى، ذات رسالة تبشر بها في العالمين، كما فعلت المسيحية تاليًا، والإسلام أخيرًا، ولذا لم تتحول قط إلى نمط حضاري جذاب طيلة تاريخها الممتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام، فـ "الدين اليهودي" لا يناظره ما يمكن تسميته بـ "الحضارة اليهودية" رغم تكوين مملكتين سياسيتين لفترة قصيرة من العمر بداية الألف الأول قبل الميلاد، أو ممارسة نوع من الحكم الذاتي في عصر المكابيين (القوميين اليهود) في القرن الثاني قبل الميلاد، وذلك قبل أن ينتهي وجودهم التاريخي المستقل بتحطم هيكلهم الثاني على يدي القائد الروماني تيتوس عام 70م، وبداية حقبة الشتات الطويل التي استمرت نحو الألفي عام، من دون دولة مستقلة.

وعلى هذا، لا تكاد توجد تجربة تاريخية كلاسيكية خارج الكتاب المقدس، يمكن من خلالها استشفاف العلاقة بين الدين والسلطة في السياق اليهودي، ولكن يشي التاريخ، كما يسجله التراث العبري أساسًا، بأن التوهج الروحي لدى اليهود، أي مدى قربهم من الله، والتزامهم بتوحيده، غالبًا ما ارتبط بزمن الضعف السياسي والشتات الجغرافي، خصوصا أعقاب السبي البابلي. أما عندما كانوا يعيشون في دولة مستقلة، فكانوا يجدون صعوبات كبرى في حفظ عقيدتهم نقية وطاهرة. فثمة، مثلاً، انهيار أخلاقي وديني وقع أثناء حكم يشوع الذي خلف موسى على رأس اليهود ودخل بهم إلى أرض كنعان بعد زمن التيه في سيناء. وثمة عبادة للوثنية ظهرت في أثناء حكم الملك سليمان وكذلك في المملكتين: الشمالية والجنوبية، خصوصًا في ظل الملوك الأقوياء، الذين تميزت أيامهم بالسلام والرخاء الاقتصادي، حيث كان الشعب ينحرف إلى عبادة آلهة الكنعانيين أو الفلسطينيين نزوعًا إلى التجسيد والتشبيه، وهو الفهم الذي استخلصه أرميا، أحد أنبياء اليهود الكبار من تأمله لتاريخ قومه، وفسره بأن وجود دولة يهودية مستقلة إنما هو من عمل إبليس، وليس من عمل الله، لأنها دائمًا ما تحرف اليهود عن عبادة ربهم.

ولعل التفسير الكامن خلف فهم أرميا يتمثل في تلك العلاقة (الجمعية) التي أقامها اليهود مع الله، وتصورهم أن مصيرهم الروحي، يكاد يشبه مصيرهم السياسي، باعتبارهم شعبًا عضويًا، يدخل بصفته تلك ليس فقط في علاقة مع الأرض، بل وأيضًا مع الله. ومن ثم كان الأنبياء اليهود الكبار بعد موسى لا  يتصورون العلاقة مع يهوه فردية، تقوم على المسئولية الشخصية، بل كعلاقة كلية، يتحول الثواب والعقاب فيها إلى نصر يُؤتوه على الأعداء أو بلاء يصابون به على أيدي الأقوياء، جزاء لهم على خيانة "يهوه" وعبادة غيره من أرباب الشعوب الأخرى، فالرضا يكون عن الشعب، والغضب كذلك يكون على الشعب. كما نُظر إلى الأزمات السياسية التي واجهت بني إسرائيل، كالسبي والحصار وتدمير الممالك اليهودية، باعتبارها نوعًا من الغضب الإلهي؛ ولذا أثار التهديد الآشوري رسائل الأنبياء عاموس وهوشع وأشعياء، أما السبي البابلي فأثار رسالة أرمياء، التي كانت بمثابة نداء لله أن يرفع غضبه وعقابه عن الإسرائيليين، مع وعد بالعودة الصادقة إلى عبادته.

بمجيء المسيح، ثم استقلال المسيحية كدين له مؤسسته وكنيسته وطقوسه، توقف إسهام اليهود في الحضارة الإنسانية كجماعة عرقية أو ثقافية، وإن ظل هذا الإسهام حاضرًا ومتاحًا لليهودي باعتباره فردًا، سواء في السياق الحضاري الإسلامي الذي اتسم بتسامح نسبي مع الوجود اليهودي، أو في السياق الحضاري الأوروبي، الذي ساده التوتر والاضطراب، على نحو دفع اليهود نحو العزلة، حتى أصبح "الجيتو" منذ مطلع القرن السادس عشر، هو عالمهم  المستقل الذي تبلور أولاً في المدن الإيطالية ثم انتقل سريعًا إلى جل مدن أوروبا قبل أن يشهد ذروة تطوره النهائي في بولندا، حيث عالم محكم، كرس لديهم شعورًا عميقًا بالاغتراب التاريخي، لم يتغير أو يقل إلا مع بروز فلسفة التنوير الأوروبي التي حررت العقل المسيحي من انغلاقاته وتحيزاته الدينية، كما ولدت في سياقها حركة تنوير يهودي "هسكالا" حاولت تحرير العقل اليهودي من عقدة الاستعلاء الناجمة عن مقولة الاختيار العنصرية، ومشاعر الاضطهاد الناجمة عن طول تجربة الشتات، عبر تفكيك عالم الجيتو الذي لم يعد متناسبًا لا مع المجتمع الرأسمالي الصاعد بقوة، ولا حتى مع النزعة الفردية الكامنة في قلب الحداثة السياسية.

ولدت "الهسكالا" في ألمانيا قبل أن تمتد منها إلى معظم أرجاء أوروبا الغربية، على يد موسى مندلسون، تلميذ كانط الذي حاول، مستلهما أستاذه، تقديم نقد جذري للمجتمع اليهودي الكلاسيكي. وانطلاقًا من روح التنوير القائلة بأن من لا يتعلمون من التاريخ محكوم عليهم بتكراره، خلص مندلسون ورفاقه إلى أن على جميع اليهود الذين يريدون فعلاً تخليص أنفسهم من طغيان الماضي اليهودي الانعزالي أن يتجاوزوه إلى آفاق النزعات الإنسانية الليبرالية في مجتمعاتهم.

حاولت الهسكالا أن تعيد اكتشاف الفهم (الإنساني) للكتاب المقدس، وهو الفهم الذي يحرر فكرة الاختيار من العرق اليهودي، ويفتح أفقها لتضم المؤمنين من الإنسانية ككل، والذي نجد له أصداء في أسفار الأنبياء بعيدًا عن سفري التكوين وتثنية الاشتراع، الزاخرين بوعود الخيرية والاصطفاء بالأرض. هذا الفهم الذي استمر نحيفًا ولم يتبلور أبدًا كتيار رئيسي، كان قد عبر عنه النبي حزقيال باكرًا، زمن النفي، بالقول إن الله سيعيدهم إليه – ليس إلى الأرض – ويجعلهم من جديد شعبًا له "وأعطيهم قلبًا واحدًا وأجعل في داخلهم روحًا جديدة وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم لكي يسلكوا في فرائضي ويحفظوا أحكامي ويعملوا بها ويكونوا لي شعبًا فأكون لهم إلهًا" (حزقيال، 11: 19، 20). وهكذا تصير أرض الميعاد الحقيقية لدى أصحاب هذه الحركة الإصلاحية، كما كانت في مفهوم المسيح، هي الأرض بكاملها، والتي يدعوها الله لأن تتحول إلى ملكوته، أي إلى عائلة واحدة على اختلاف الأمم والألسنة، إذ يملك الله عليها ويوحدها بروحه أفرادًا وشعوبًا، مع تأكيد الفرادة والتمايز بينهم، فأرض الميعاد الجديدة لا حدود لها، لأنها المسكونة كلها إذ يتحقق فيها وعد الله بأن تتبارك بذرية إبراهيم، فتتحول جميع قبائل الأرض وشعوبها إلى شعب واحد لله يؤول تنوع عناصره لا إلى صراع واقتتال بل إلى تناغم وتكامل.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter