دور السياسات الإقليمية غير العربية في المنطقة


تأثير مواقف إيران وتركيا وإسرائيل على جهود مكافحة التطرف والإرهاب


دبلوماسي سابق وكاتب مصري/د. مصطفي عبد العزيز مرسي
كــاتب وبـاحــث بمجلة الديمقراطية - مؤسسة الاهرام



إن من يتابع تطورات مشاهد الربيع العربي، يلاحظ أن بعض دوله تعاني من حالة انكفاء ووضع انتقالي مازال يتسم بالغموض، وأخرى توصلت إلى حل وسط بإقامة تحالف مع عدة قوى سياسية محلية تفادياً لما هو أسوأ، بينما دخلت دول في مرحلة صراعات لترتيب توازنات جرى فيها استبعاد قوى سياسية ركبت الثورة، ثم تم إزاحتها بضغوط شعبية، وأوجدت هذه المتغيرات في دول الربيع العربي ثغرات وخلخلة، وإن كانت بدرجات متفاوتة، ملأتها جماعات تكفيرية إرهابية، جرى توظيفها وتحريكها بمعرفة أجهزة دول خارجية إقليمية ودولية.

وعلى الرغم من أن للدول العربية دوراً في الأزمات التي تموج بها، إلا أنه يلاحظ منذ عقدين من الزمن على الأقل – تراجع هذا الدور لحساب أدوار القوى الإقليمية غير العربية – عنصراً ثابتاً في تطورات قضايا المنطقة العربية يصعب تجاهلها أو استبعادها ([1]) ويعود ذلك لعدد من الأسباب والعوامل لعل في مقدمتها:

1- تزايد انحسار الفكر والمد القوميين وتفتته إلى جداول مشتتة، الأمر الذي أحدث فراغاً فكرياً وسياسياً سرعان ما ملأته التيارات والتنظيمات الدينية المتطرفة.

2- وصول النظام العربي ودوله إلى مرحلة العجز والغيبوبة السياسية، والضعف المتزايد للعمل العربي المشترك التي أصبحت قراراته توصف أحياناً بأسلوب ”سد الخانة“ أو ملء ”الفراغ السياسي العربي“ ”بالتخدير السياسي“ أحياناً أخرى. وأصبحت هناك مدرسة صياغة سياسية عربية متميزة في زراعة الوهم العربي والنفاق السياسي، برعت، دون ملل، في تدبيج عبارات وفقرات البيانات الختامية لقرارات القمم العربية وغيرها، لتوحي بالحركة ولكنها بعيدة كل البعد عن تحريك المياه الآسنة العربية.

3- إن طبيعة القضايا والمشاكل التي تواجهها دول المنطقة خلال العقدين الأخيرين، ارتبطت بشكل أو بآخر بالقوى الإقليمية غير العربية سواء كأطراف مباشرة فيها أو كأطراف معنية بها أو متأثرة بتطوراتها.

4- وجاء إعلان نقل الولايات المتحدة ثقل اهتماماتها الإستراتيجية من الشرق الأوسط إلى منطقة المحيط الهادئ لاحتواء النفوذ الصيني المتنامي فيها، فتواكب مع ذلك اتجاه واشنطن لأقلمة صراعات المنطقة العربية، بما يعني زيادة اعتمادها على قوى إقليمية (إيران – تركيا وإسرائيل) التي تقودها من الخلف، لإدارة الصراعات والأزمات في المنطقة العربية.([2])

ويلاحظ تزايد التنافس بين القوى الإقليمية الشرق أوسطية حول اقتسام مناطق نفوذها في المنطقة العربية الرخوة، واتباعها لسياسات إقليمية متقاطعة أحياناً، ومتعارضة أحياناً أخرى، وفقاً لمصالح كل منها، والتي لا تتسق في أغلب الأحيان مع مصالح الدول العربية المعنية. فالدول المتجاورة هي أصدقاء وأعداء طبيعيون لبعضها البعض لاسيما تلك التي تنتمي لمنطقة جغرافية واحدة.([3]) وقد وصلت العلاقات بين القوى الإقليمية المتصارعة وبين دول المنطقة العربية، إلى ما وصفه البعض بـ ”الحرب الباردة فيها“. فمصالح الدول الإقليمية والدول العربية تتناقض في أجزاء جوهرية منها مع بعضها البعض ([4]) خلاصة القول أن القوى الإقليمية سعت لإحكام السيطرة على القرارات المصيرية وتحول الاتجاه من قرار عربي فاعل إلى غياب عربي (شبه كامل) وشهد الوطن العربي حالات تمزق وشرذمة وآفات فتن عرقية ومذهبين وطائفية، وآخر تجلياتها هو ظهور التنظيمات التكفيرية الإرهابية وعلى رأسها ”داعش“.

وإجمالاً فإن العالم العربي لم يعد – في تقدير البعض – إقليماً محصناً ضد تأثيرات دول الجوار الإقليمي، كما كان في السابق. فحدود التفاعلات والتأثيرات بين العرب وجيرانهم الإيرانيين والأتراك والإسرائيليين، اتسعت لتجعل الشرق الأوسط هو الإقليم الأصل، فيما تحول العالم العربي إلى نظام فرعي له.([5])



([1]) سامح راشد، صعود ”الإقليمي“ على حساب ”العربي“، الأهرام، القاهرة، 16/10/2003.

([2]) جورج سمعان، ”المملكة والصراع يقسم المنطقة وتقاسمها“، صحيفة الحياة – 26/1/2015.

([3]) د.عبد الخالق عبد الله، ”علاقات اليمن بدول مجلس التعاون“، في (دول مجلس التعاون ودول الجوار)، اللقاء السنوي الثامن عشر لمنتدى التنمية، الكويت، 20/21/2/1997، ص145.

([4]) تقرير ”مركز التقدم الأمريكي“ واشنطن حول الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط الصادر في يونيو 2014.

([5]) د.جمال عبد الجواد، ”مستقبل الشرق الأوسط تصنعه قوي الحاضر“، مجلة السياسة الدولية، الأهرام، القاهرة، العدد 199، يناير 2015.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter