ملف خاص


توظيف الخيال في مشروعات للمستقبل ... نماذج تطبيقية


د. عــمـار عــلي حــســن
روائي وباحث في علم الاجتماع السياسي - القاهرة



يستحيل التقدم في العيش بلا خيال، فهو الطاقة السحرية التي تقود الإنسان إلى التمرد على واقعه، والتحرك خطوات مستمرة نحو الأمام، وسط حال من التوتر الدائم، الذي يرمي إلى بلوغ آفاق جديدة، وخوض مغامرات لا تنقطع.

والخيال وراء كل شيء في حياتنا، الاختراعات العظيمة المبهرة التي تذلل أمام الإنسان الصعاب، وتختصر له الزمان والمكان، وتوفر الجهد والعرق، والأفكار العميقة التي ترسَخ في الرؤوس، وتؤثر في السلوك، وتجذب الأفراد، وتصنع الجماعات، وتمد الدول برافد مهم من ”القوة الناعمة“، وكذلك الأعمال الفنية الرائعة التي تهز الوجدان، وتعيد صياغة رؤيتنا للعالم على صورة مغايرة ووعي مختلف، وأيضاً الإجراءات الفعالة التي نضع أقدامنا عليها لنحل المشكلات، ونعبر المآزق، ونتجاوز الأزمات.

والخيال هو الذي يجعل الإنسان يسمو فوق واقعه التعيس، وعيشه الدائم في كد، فيسعى بجد واجتهاد إلى تحسين شروط الحياة. و ”الخيال في جوهره سجل لقدرة الإنسان الإبداعية التي تطورت عبر التاريخ، وهو حجر الزاوية في النشاط البشري، وهو الذي مكن الإنسان من غزو العالم واستكشافه وفهمه ومحاولة السيطرة عليه“ ([1]).

والخيال الذي نقصده في هذا المقام ليس الشرود في أوهام وضلالات لا أصل لها ولا فصل، وليس الاستسلام إلى الخرافات والأساطير التي قد تُسّري عن النفس، وتردم الهوة الواسعة بين التعاسة والسعادة، وبين العيش في نكد والحلم بالطيران إلى الفردوس الأرضي،  وليس هو بناء التصرفات وفقاً لما يقوله العرافون والمنجمون وقارئو الكف، إنما التنبؤ العلمي بما سيأتي بعد فهم ما جرى، وتحليل ما يجري وفق منهج دقيق، مع إعطاء فرصة قوية للتأمل والبصيرة أو الحدس والاستبطان العميق.

إن الكثير من الناس في بلداننا العربية يلهثون وراء الحوادث اليومية، ويغرقون في التفاصيل الصغيرة والتافهة، ولا يجدون وقتا لتخيل ما سيأتي، أو حتى التفكير في ما هو أحسن بالنسبة لهم في الوقت الحالي. وهذه الآفة لا تقتصر على عوام الناس، إنما تمتد في الغالب الأعم إلى النخب الفكرية، والأدهى أنها امتدت إلى كثير من أهل الحكم، فوجدنا بعض الدول تدار يوماً بيوم، حيث لا تخطيط شامل ولا إستراتيجية واضحة المعالم، الأمر الذي أضاع عليها فرصاً حقيقة للتقدم والازدهار.

وعاشت أنظمة عديدة بلا أدنى قدرة على توقع ما يأتي، بعد أن اكتفى من اعتلوا رأسها بالتقارير التي تمجد أعمالهم، وتهدئ أعصابهم، على حساب الحقيقة. وتصرف بعضهم على أن الشعوب قد ماتت، وأن مستقبل استمرارهم في سدة السلطة مرهون برضاء قوة خارجية وولاء الأجهزة الأمنية. ولو كان لدى هؤلاء بعض خيال سياسي لشرعوا في إصلاحات متدرجة في وقت كانت فيه المعارضة وكثير من المفكرين يطالبونهم بـ ”حرق المراحل“ للحاق بالدول التي دخلت ”الموجة الثالثة للديمقراطية“ مع مطلع تسعينيات القرن العشرين. ولو قبلوا هذه المطالب أو النصائح، لربما تجنبوا ثورات وانتفاضات أطاحت بهم.

ومن دون شك فإن "الربيع العربي" قد طرح سؤالًا حول غياب الخيال السياسي Political Imagination، فسياسياً يمكن القول إن ”الربيع هو نتاج قصور كبير في المخيلة السياسية العربية، وهو القصور الذي دفعنا - وما نزال - ندفع أخطاءَه. عجْز العقلية العربية عن تنمية الخيال السياسي لديها، وهو ما جعلها ضعيفة أمام تحديات واقعها، وعن فهم واقعها نفسه، فلم تتمكن من توليد رؤى استشرافية للمستقبل تواجه بها هذه التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء. هذا الجمود في الخيال السياسي العربي جعل السياسات قاصرة لا ترى سوى موطئ قدمها، وفي أغلب الأحيان متأخرة في المنافسة مع الأمم الأخرى“ ([2])، وتلك هي الآفة السياسية الكبرى.

لهذا كله باتت حاجتنا ماسة إلى أن نتخيل، بقدر ما نستطيع، فنحن ”بدون هذا الخيال السياسي المستمد من التاريخ والوقائع لا نستطيع بناء رؤى المستقبل، فالمستقبل يصاغ أولاً في خيال الشعب ثم يتحول إلى قوة مادية عند انتقاله من الخيال إلى الواقع“([3])، وهذا يتعلق بالحلم الجماعي الذي يداعب الناس وهم في محاولة مستمرة  للتغلب على متاعبهم الذاتية أو في سعي دائب لحل المشكلات العامة التي تعترض طريق أمتهم أو بلدهم.

وقد يصاغ هذا الحلم في رؤوس النخب، فتطرحه على عموم الناس فيروق لهم، ويطلبون ترجمته في الواقع المعيش. ويمكن للنخب أن تشرع في التنفيذ مباشرة بغض النظر عن رأي العامة أو دون الرجوع إليها، كما يحدث أحياناً في النظم المستبدة والشمولية. وأحياناً تموت كثير من الأحلام في رؤوس العلماء والمفكرين أو على أوراقهم من دون أن تجد إلى التنفيذ سبيلاً، إما لأنهم لا يجدون طريقاً إلى السلطة، أو أن الأخيرة تتجاهلها لأسباب عديدة، منطقية كانت أو غير ذلك.

لكن تفاعل الناس مع حلم النخبة أو تقدير العلماء والخبراء هو الذي يعطيه قيمة وشرعية أيضاً، لأن نتائج هذه الأحلام في النهاية تؤثر على الناس إيجابياً أو سلبياً، فـ”حيازة المعلومات الجيدة والصائبة عن المستقبل ليس أمراً كافياً، بل الأهم هو أن يرى الناس ما يراه المتنبئون، ويعرفون كيف يستجيبون لهم“([4])، لأنهم المعنيون بهذه الأحلام، وهم من يحولونها إلى واقع معيش.

هناك نماذج عديدة جزئية وكلية لمحاولة إطلاق العنان للخيال السياسي بغية الخروج من ضيق الواقع إلى رحاب الآتي، سواء على المستوى النظري أم التطبيقي العملي.

فعلى المستوى النظري حاول رايت ميلز أن يخط معالم الخيال الاجتماعي في كتاب يوصف بأنه يمثل: ”مقدمة رائعة وملخصاً للنزعة الإنسانية الكامنة وراء علم الاجتماع كعلم .. يربط بين الأبعاد الاجتماعية والشخصية والتاريخية لحياتنا، ويتخذ موقفاً نقدياً من النزعة الإمبريقية المجردة والنظريات الكبرى في آن“. وهذا الاصطلاح يعني ”رؤية اجتماعية وأسلوباً للنظر إلى العام يمكن أن يدرك الارتباطات بين المشكلات الفردية التي تبدو شخصية في الظاهر والقضايا الاجتماعية المهمة“.([5])

أما على المستوى التطبيقي فقد توزعت على ما هو عام، وما ينصرف إلى حالات بعينها. ومن الحالات العامة تلك المحاولة التي قام بها جاريث ستيدمان وإيرا كاتزنيلسون ([6]). حيث تخيلا تأثير التفكير الديني والعلمنة على الحالة السياسية في المستقبل، بعد أن فحصاها جيداً في الماضي، وتحديداً منذ بداية القرن السادس عشر، ليوفرا وسائل جديدة للتفكير في إلحاح المسائل الدينية على عالمنا المعاصر، وعلى ما سيأتي فيما بعد.



([1]) د. شاكر عبد الحميد، ”الخيال: من الكهف إلى الواقع الافتراضي“، الكويت، المجلس الوطني لثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد رقم 360، 2009، ص22.

([2]) سعود الكابلي ”الخيال السياسي“، http://www.almqaal.com/?p=1578، 24/1/2012.

([3]) انظر في هذا الصدد: إسماعيل أبو البندورة، ”الخيال السياسي وبناء المستقبل“،

 http://articles.abolkhaseb.net/ar_articles_2008/0108/bndora_080108.htm

تاريخ الإطلاع: 24/8/2013.

([4]) إدي فاينر وأرنولد براون، ”التفكير المستقبلي: كيف تفكر بوضوح في زمن التغير“، أبو ظبي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، 2008، ص7.

([5]) جوردون مارشال، ”موسوعة علم الاجتماع“ ترجمة: محمد محي الدين، ومحمود عبد الرشيد، وهناء الجوهري، إشراف محمد محمود الجوهري، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2001، المجلد الثالث، ص1433.

([6])انظر:  Ira Katznelson & Gareth Stedman, Editors, Religion and the Political Imagination, Columbia University, New York,  2010.                                                                                     

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter