فنون عربية


معزوفات محمد عبد الوهاب الموسيقية


المايســترو ســـليــم ســـحاب
قائد اوركسترا وناقد وباحث ومؤرخ موسيقي - لبنان



يمتد تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة على القرنين الأخيرين وذلك لسبب هام جداً وهو دخول الأسطوانة إلى مصر (1903)، هذا الاختراع الذي أدى إلى تسجيل تراث القرن التاسع عشر على أسطوانات بواسطة مطربي بداية القرن العشرين الذين كانوا يغنون كمذهبجية مع كبار مطربي القرن التاسع عشر: عبده الحامولي (توفي سنة 1901)، ومحمد عثمان (توفي سنة 1900)، وأحمد أبو خليل القباني الدمشقي مؤسس المسرح الغنائي في الستينيات من القرن التاسع عشر (توفي سنة 1902).

وقد أدى دخول الأسطوانة في الحياة الموسيقية إلى نتيجة هامة جداً في تاريخ الموسيقى المصرية وهو تفكيك الوصلة الغنائية إلى مكوناتها وذلك لسبب ضرورة الالتزام بمدة الأسطوانة (3 دقائق تقريباً للأسطوانة صغيرة الحجم للصفحة الواحدة) فظهرت القصائد والموشحات والأدوار مسجلة على الأسطوانات. عنصر واحد كان مظلوماً في عملية جمع التراث على أسطوانات، وهو المعزوفة الموسيقية وذلك لسبب وجيه وتاريخي وهو أن الشخصية المركزية للعملية الموسيقية في ذلك العصر (ومازالت) هي شخصية المطرب كون الموسيقى العربية موسيقى غنائية. وتجد هذا حتى في الكتب التي تؤرخ للموسيقى العربية المراجع الحديثة منها والقديمة، حتى أن المؤرخ الكبير كمال النجمي حين أراد وضع كتاب يؤرخ لمحمد عبد الوهاب بعد وفاته سمى الكتاب ”محمد عبد الوهاب مطرب المائة سنة“ متجاهلاً (عمداً أو عن غير عمد) قيمة محمد عبد الوهاب العملاقة كملحن وكمفكر موسيقي إلى جانب كونه مطرباً تاريخياً.

فقد امتد تجاهل التأليف الموسيقي في حياتنا الموسيقية لدرجة أنه ضاعت منا عشرات المعزوفات التي ألفها كبار الملحنين المصريين في القرن العشرين. فإذا رجعنا إلى كتاب المؤرخ الموسيقي عبد القادر صبري ”أمير النغم رياض السنباطي“ نرى أنه يذكر في صفحة 85 (36) معزوفة بالاسم ضاعت كلها وذلك لعدم وجود نوتة أو تسجيل لها. ولم يبق من كل هذه الثروة سوى معزوفتين إحداها اسمها ”رقصة شنجهاي“ لم تعرف الشهرة، و ”لونجا رياض“ ذائعة الصيت لغاية الآن. وكانت هذه المعزوفات تعزف في الوصلات الغنائية (وفي دور السينما قبل عرض الفيلم). ولم يكن حظ المفكر الموسيقي الكبير محمد القصبجي أحسن من حظ زميله رياض السنباطي، ولم يبق من كل تراثه في المعزوفات سوى بعض المعزوفات التي ألفها على القوالب التركية، ومعزوفة واحدة معروفة وهي ذكرياتي الرائعة التي ألفها كمقدمة لمونولوج رق الحبيب ولكن رفض أم كلثوم لها كمقدمة للأغنية حولها إلى معزوفة مستقلة تماماً عن الأغنية تقدم لغاية الآن على المسارح الموسيقية وتلاقي نجاحاً هائلاً، حتى أن أحد الملحنين الأمريكيين في القرن العشرين قال مبهوراً عند سماعها من فرقة عبد الحليم نويرة: ما هذه الموسيقى المتحضرة ؟

What a civilized music ?

وكان هذا النسيان والضياع سيكون مصير معزوفات محمد عبد الوهاب لولا اجتهاده وسعيه إلى تسجيل كل معزوفاته على أسطوانات، فدخل شريكاً أول الأمر مع شركة كايرو فون ثم اشتراها حتى يتسنى له تسجيل ما يحلو له من مؤلفات موسيقية، وهكذا حفظ التاريخ أكبر مجموعة معزوفات ألفها ملحن عربي. كل هذا ونحن في الثلث الأول من القرن العشرين، وكانت المعزوفات المسيطرة على الحياة الموسيقية المصرية من أصل تركي ونذكر منها: (1) اللونجا، وأصلها بلغاري ودخلت الموسيقى التركية ثم العربية من خلال احتلال تركيا لبلغاريا. (2) البشرف، (3) السماعي، (4) التحميلة، ومازال الملحنون التقليديون الأساتذة في المعاهد الموسيقية العربية أو خريجوها أو العازفون الكبار يلحنون المعزوفات على هذه القوالب محافظين على قالبها حرفياً وكأنه مقدس، بل إنهم مثلاً يحافظون على حرفية مواقع السكوت داخل قالب السماعي وعند نهاية الخانات والتسليم. حتى إني أثرت هذا الموضوع في أحد مؤتمرات الموسيقى العربية في دار أوبرا القاهرة داعياً الملحنين العرب إلى التخلص من هذا النير الفكري العثماني في التأليف الموسيقي وداعياً أيضاً إلى إدخال معزوفات محمد عبد الوهاب إلى مناهج التعليم الموسيقي في المعاهد لما فيها من تجديد للقوالب الموروثة عن الحكم العثماني وحرية في التفكير الموسيقي وتطوير للشكل والمضمون الموسيقي. لكن عبد الوهاب في بداية نشاطه كملحن معزوفات، ألف عدة معزوفات على القوالب التركية مع أن هناك شكًا كبيرًا في نسبتها له، ذلك للرأي السائد أن هذه المعزوفات ليست من تأليفه بل فقط من عزف فرقته الموسيقية. إلى جانب ذلك لمحمد عبد الوهاب عدة تسجيلات لتقاسيم على العود إذا أردنا اعتبار التقاسيم لمعزوفة موسيقية.

تعتبر معزوفات محمد عبد الوهاب تطويراً كبيراً للقوالب التركية للمعزوفات المعروفة: البشرف واللونجا والسماعي والدولاب والتحميلة، ولكي نعرف مدى تأثر محمد عبد الوهاب بهذه القوالب التراثية وعمق التطوير الذي أحدثه فيها والذي ظهر في جميع معزوفاته لابد من عرض القوالب التركية وإبراز خصائصها التأليفية وعناصر أجزائها:

1- البشرف: أصل الكلمة تركي – فارسي وتعني (مقدمة) ويتألف من أربعة أجزاء (تسمى خانات) ويفصل بينها التسليم، ولم تعرف الموسيقى العربية ملحنين عربًا لحنوا على هذا القالب، بل جل من استعمله من الأتراك ونذكر منهم: يوسف باشا – عاصم بك – سالم بك – وطانيوس، وقد يكون يعقوب طانيوس الأرمني الأصل وعازف الكمان الكبير الذي أقام في مصر في النصف الأول من القرن العشرين والذي ظهر مع محمد عبد الوهاب يعزف منفرداً على الكمان في أغنية ”أحبه مهما أشوف منه“ في فيلم رصاصة في القلب سنة 1944.

2- السماعي: يتكون من أربعة أجزاء يفصل بينها التسليم، وهو ذاته يتكرر بعد كل جزء (خانة) وكما يدل اسمه إيقاعه هو السماعي الثقيل 8/10 أو 4/10 وهو من الإيقاعات المركبة التي كانت تستعمل كثيراً في تأليف الموشحات، ولنذكر الموشح الخالد ”ملا الكاسات وسقاني“ لمحمد عثمان. ويتخلل هذا الإيقاع كل المعزوفة ما عدا الخانة الأخيرة التي تتحول إلى إيقاع 4/3 أو إيقاع الفالس. وقد ألف على هذا القالب ملحنون أتراك مشهورون منهم جميل بك الطنبوري – عزيز دده – طانيوس ونيقولا كي. وكان هذا القالب ومازال موضع اهتمام كبير عند الملحنين المصريين ومن أشهرهم بين العشرات: الشيخ علي الدرويش – مصطفى رضا – إبراهيم العريان – إسكندر شفلون – مدحت عاصم – عزيز صادق – محمود صبح – محمد عبد الوهاب – جورج ميشيل – محمد عبده صالح – حسين جنيد، وغيرهم.

3- اللونجا: أكثر القوالب انتشاراً بين الملحنين العرب، وتمتاز بخفة حركتها وسرعتها ونشاطها، وأشهر الأتراك الذين ألفوا عليها: جميل طنبوري – يورجو وأدهم أفندي. ويتألف شكلها من أربع خانات يتخللها التسليم وإيقاعها ثنائي: 4/2 أو 4/4 لكل أجزائها ماعدا الخانة الأخيرة التي تتحول إلى إيقاع 4/3 الثلاثي الوقع (فالس). ومن أشهر من لحن على قالب اللونجا في مصر: جميل عويس – عزيز صادق – رياض السنباطي – جورج ميشيل – وحسين جنيد. وأشهر اللونجيات لونجا رياض لرياض السنباطي كما يدل اسمها.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter