مــلــف خــاص


الأمـن الثقـافي: مفهومه ودواعيه وعوامل تحقيقه


نهله محمد أحمد جبر
الأمانة العامة لجامعة الدول العربية



مع مرور الزمن وتسارع التطور التكنولوجي، غلبت ثقافة العولمة في أرجاء المعمورة فتحول العالم إلى قرية صغيرة، وأصبح تبادل المعلومات والأفكار أسرع من غمضة عين والمعلومات متاحة بضغطة زر، وانتقلت الأفكار المتباينة وأحيانا الغريبة بين مختلف الطوائف من البشر فتارة تجمعهم وتارة أخرى تفرقهم، وسادت سياسة العولمة والثقافة الكونية على الحضارات ذات الجذور البعيدة.

مع كل هذا التطور التكنولوجي الهائل والتغيير في جغرافية الزمان والمكان، والدول والأشخاص، يطل علينا مصطلح الأمن الثقافي ليدق بقوة ناقوس الخطر من انهيار الحضارات وتدهور ثقافات الشعوب، ويعلن أهمية تواجده على الساحة المعاصرة وبقوة كمنهج ضروري في سياسات الدول كالأمن الاقتصادي والقومي والغذائي أو حتى السياسي، وكسلاح قوي في مواجهة الجماعات الإرهابية المتشددة فكرياً التي تحارب الحضارات والشعوب بأفكار هدامة وعنف مفرط وحروب لا تنتهي، وكذلك كمحور هام من محاور حياة البشر اليومية بعد أن حولت التكنولوجيا الدول المختلفة والمتباعدة إلى بيوت صغيرة في عالم واحد، اتسعت حدوده وتلاشت مع الانتقال السريع بل الفوري للمعلومات والأحداث.

مفهوم الأمن الثقافي

الأمن الثقافي هو مصطلح يبدو للوهلة الأولى متناقض المفردات، فهو كمصطلح لفظي يتكون من كلمتين ذات معنيين مختلفين - هما الأمن والثقافة - فالأمن كمفهوم عام ومتداول هو توفير الجو الآمن لتداول الحريات التي نمارسها ودلالته دوما تشير إلى الدفاع، العزلة والسيطرة لتوفير الحماية المطلوبة، أو الانغلاق والتكتم لو تطلب الأمر ذلك في أحيان كثيرة. أما الثقافة فتتضمن حسب الكثير من التعريفات المختلفة والمتعددة النشاط الفكري والفني للأعمال المنتجة من جهة والمعتقدات والفنون والعادات والآثار والأعمال التي ينتجها مجموعة من الناس في وقت ما عبر التاريخ من جهة أخرى. وهو المفهوم الذي يتناقض بكل تأكيد مع مفهوم الأمن، فمفهوم الثقافة المتداول والمعروف يشير دوماً إلى الإبداع والانفتاح والتحرر من القيود للتعامل مع الآخر وتبادل الآراء المختلفة والهامة والمطلوبة تبعاً لاختلاف التجربة والبيئة المحيطة والمراحل العمرية في أزمان مختلفة.

تعتبر الثقافة جزءًا مهمًا وحيويًا من الحضارة وانعكاسًا لمعنى الحياة في مراحلها المختلفة وشكلها المتغير من مكان لآخر، وتبعاً لهذ المفهوم تعتبر الثقافة قوة لا يستهان بها في الشؤون العالمية والعلاقات بين الأمم وبعضها البعض، فيكفي أنها المفهوم الأوسع والأشمل لأشكال هامة ومختلفة من مناحي الحياة وممارستها اليومية كما أنها تتضمن أعمالًا وموجودات مختلفة تعكس بكل تأكيد حضارات الشعوب وفكرهم المبدع سواء كانت معابد أو متاحف أو آثارًا أو فنونًا، بالإضافة إلى الإعلام بكل روافده الأخرى الهامة الذي يشكل جانبًا ثقافيًا مهمًا ومؤثرًا في رسم السياسات وتحديد الأولويات وأسلوب الأداء، مما يجعل الوصف الأقرب للثقافة أنها الحروف التي بها نكتب تاريخنا البشري.

إقرأ المزيد



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter