كلمة رئيس التحرير

 

ظاهرة ترامب وتأثيراتها الدولية والإقليمية والعربية

  

  

سعيــــد رفعــــت 

   رئيـس تحـريـر مجلـة شـؤون عـربيـة 

 

 

  • إذا كان مجرد إعلان ترامب الترشح لانتخابات الرئاسة الأمريكية قد مثَّل مفاجأة مذهلة لمعظم الدوائر السياسية العالمية، ولمتابعي المشهد السياسي الأمريكي، ولقطاعات واسعة من الرأي العام الدولي والداخلي، وذلك لقدوم المرشح من عالم الأعمال، وعزوفه عن المشاركة في الحياة الحزبية الأمريكية، وقلة خبرته السياسية والدولية، وضعف معرفته بشئون إدارة الدولة، وأساليب التعامل داخل أروقة الحكم، فضلًا عما هو معروف عنه من "شخصنة" للأمور واعتماد على منطق "الصفقة" في كافة تعاملاته، أو ممارسة حرية كاملة في إطلاق تصريحات غير منضبطة، والقيام بتصرفات عفوية واتخاذ مواقف ارتجالية.

    إلا أن فوزه المريح في الانتخابات، بالرغم من تركيزه على شعارات عامة، وليس سياسات محددة، وإظهار معاداته لمؤسسة الحكم الأمريكية، وعمله في اتجاه إضعاف النظام الديمقراطي الليبرالي الأمريكي، ومهاجمته للتحالفات الصديقة: المؤسسية منها والثنائية، والتعبير عن عدم مبالاته بالمؤسسات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، وإبداء رغبته في تخفيض مساهمات أمريكا في ميزانياتها، وحرصه على تكييف علاقاته بالدول على أساس قوة رؤسائها وموقفهم من محاربة الإرهاب، وتوافر "الكيمياء" في علاقاته بهم. وكذلك جرأته في اللجوء إلى القوة المسلحة إذا استلزم الأمر، واتجاهه لتشجيع الأحزاب والتيارات الشعبوية الخارجية، وخاصة في الدول الأوروبية، هذا إضافة إلى دخوله في مواجهات حادة مع المؤسسات الإعلامية والدستورية والقضائية في البلاد، وتوجيهه لاتهامات غير مؤيدة بدلائل لسلفه في الإدارة السابقة.

    كل ذلك قد حوَّل الرئيس الأمريكي المنتخب إلى "ظاهرة سياسية" محيرة على المستويين الدولي والداخلي، ليس فقط لصعوبة التنبؤ بقراراته وأفعاله، وإنما أيضًا لغياب إطار عام لسياساته يمكن الاستناد إليها في تقدير توجهاته وتحديد أولوياته، وتوقع تحركاته.

     

    ولذلك، تتوجس الدوائر السياسية الأمريكية من تقلباته، وينتاب المفكرين السياسيين وأعضاء مراكز البحوث في الولايات المتحدة وخارجها مخاوف عميقة من نوازعه ونزواته، ويتوجسون من احتمالات تأثيرها على النظام الليبرالي الدولي، وعلى الثوابت الرئيسية التي تحكم السياسة الأمريكية الخارجية، وعلى علاقاتها بدول العالم وخاصة تلك الحليفة والصديقة منها، الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات عما إذا كانت تصرفات الرئيس المنتخب في هذا الشأن تعكس مجرد قلة خبرة سياسية، وتعبِّر عن نزوات وقتية يمكن أن يستوعبها النظام السياسي الأمريكي، ويحتويها ويصحح مسارها هيئة مستشاريه السياسيين والعسكريين، أم أنها تمثل مخططًا مقصودًا لتفكيك النظام الإداري للدولة، خاصة مع التقدير الغالب بخطورة الأمر من واقع أن هذه الأفكار التحريفية قد ظهرت على الساحة من داخل النظام الأمريكي نفسه، وصدرت من أعلى مستوياته من مقر البيت الأبيض. وتتبلور مخاوف هذه الدوائر من الاعتداء المباشر لسياسات ترامب على المعتقدات الرئيسة للمشروع الأمريكي استنادًا إلى تتابع مواقفه في الموضوعات التالية:

    أولًا: تجاهل ترامب لمبدأ "الأممية" Nationalism الذي يعبر عن عقيدة أمريكية تُقدم مصالحها السياسية والاقتصادية لقيادة النظام الدولي عبر قواعد ومؤسسات وحلفاء وعلاقات، حيث تختلط وتتشابك مع المصالح المختلفة لكافة المناطق الرئيسة في العالم. وذلك في الوقت الذي يتجاهل فيه ترامب هذا النظام، ولا يأبه ببيئته الاستراتيجية. ولا يرى أية دلائل مؤثرة أو هامة فيما يمثله من تحالفات ويفرضه من التزامات. ويعتقد أن التزام أمريكا تجاه التحالفات يجب أن يكون مشروطًا بمنطق الصفقات وأهمها قيام الحلفاء بتحمل تكلفة متعادلة لأعباء تحالفاتهم مع الولايات المتحدة.

    ثانيًا: رفضه الالتزام بنظم التجارة الحرة، وذلك بالرغم من أن هذه النظم هي التي منحت دورًا مركزيًا للسياسة الخارجية الأمريكية، وساهمت في تقوية ونمو الاقتصاد الأمريكي، وحققت أكبر وأسرع توسع اقتصادي في تاريخ العالم. إلا أن الشاهد أن ترامب يفضل التعامل مع التجارة العالمية بمقاربة صفرية، وباعتبارها صفقة تجارية يجري تقييمها بحسابات الربح والخسارة، وليس كتبادل حر يولِّد مكاسب مشتركة لكافة الأطراف. ولذلك فليس مستغربًا إعلانه الانسحاب من اتفاقية الشراكة مع دول الباسيفيك، وإبداءه الرغبة في إعادة التفاوض حول اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية، وإعلان انتقاده للاتحاد الأوروبي واعتباره أداة ألمانيا لمنافسة الولايات المتحدة.

    ثالثًا: إظهار ترامب عدم ارتياحه للأحكام والمؤسسات المتعددة الأطراف، بالرغم من الاعتقاد الأمريكي العام أنها أضفت على قوة الولايات المتحدة فرادة وشرعية، ومكّنتها من خلق شبكة من النظم والمؤسسات أسفرت عن نتائج إيجابية لصالح كثير من دول العالم، ونتج عنها إنشاء منظمة الأمم المتحدة، ونظام بريتون وودز المالي، ومنظمة نزع السلاح، واتفاقيات البيئة، وحقوق الإنسان .. وهي إنجازات لا تحظى، في مجموعها، باهتمام الرئيس ترامب، حيث عبَّر عن رغبته في إعادة مناقشة التزامات أمريكا المالية والسياسية في الأمم المتحدة. ولم يخفِ تجاهله للقانون الدولي، وتفهمه – في بعض الظروف – لعمليات التعذيب، وهي أمور اختصرها جميعًا في شعاره "أمريكا أولًا" التي يمكن أن تؤدي إلى نتائج بالغة السلبية على هيبة وموقع ونفوذ الولايات المتحدة على الساحة العالمية، وأن تسفر عن ظهور جيل أمريكي جديد متعصب قوميًا ومنكفئ على قضايا بلاده المحلية، وجيل مقابل في الدول الأخرى معاد للولايات المتحدة. وهو أمر قد يستغرق سنوات لإصلاح هذا الضرر إن حدث.

    رابعًا: عدم إخفاء ترامب لامتعاضه من الطبيعة المنفتحة، والصيغة المتعددة الثقافات للمجتمع الأمريكي. وتجاهله لحقيقة أن الولايات المتحدة تعتبر دولة مهاجرين من أجناس وأعراق وأديان متنوعة. ما أضفى حيوية وديناميكية على المجتمع الأمريكي، وخلق روابط عائلية وثقافية بينها وبين باقي دول العالم، ولذلك فإن سياسات ترامب في الهجرة، وإقامة حائط على الحدود الأمريكية المكسيكية، ومنع المهاجرين من ست دول إسلامية، والمنع المؤقت لكافة اللاجئين من دخول البلاد. تبعث برسالة سلبية للعالم، وتعبِّر عن سياسات وطنية عرقية تتجاهل السياسات التاريخية الأمريكية القائمة على الوطنية المدنية وحدها وهو أمر يعكسه الدستور الأمريكي الذي يتحدث عن المواطنة والقيم المشتركة وليس الأعراق والأديان.

    خامسًا: أن السياسات الأمريكية كانت تحرص على إقامة علاقات خاصة بالديمقراطيات الليبرالية باعتبار اشتراكها في نفس قيم الحياة ونظم الحكم. وامتلاكها في نفس الوقت لإمكانيات خاصة ومتفردة في التعاون مع بعضها البعض. وقد كان هذا المجتمع ينحصر سابقًا في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان. ولكنه شهد توسعًا كبيرًا في المراحل اللاحقة. إلا أن ترامب لا يخفي عدم ارتياحه لهذه الرؤية. ويرفض التمييز بين الأصدقاء الليبراليين الديمقراطيين والمنافسين الأوتوقراطيين. وهو ما انعكس في تصريحه الأخير بأنه يثق في كل من ميركل وبوتين بطريقة متساوية. الأمر الذي دفع بعض الأوروبيين إلى التصريح بأن إدارة ترامب – والولايات المتحدة بالتالي – تمثل تهديدًا لهم، باعتبارها محسوبة على معسكرهم، أكثر مما تمثله روسيا بوتين.

    وإذا كان الشاهد أن توجهات ترامب السابق الإشارة إليها قد أثارت أيضًا قلق العديد من الدول الحليفة للولايات المتحدة، خاصة في منطقتي أوروبا والشرق الأوسط، وذلك في ضوء مواقفه الناقدة للمؤسسات الاقتصادية والدفاعية: الأوروبية والأطلنطية، في نفس الوقت الذي يشيد فيه بأهمية علاقات بلاده بروسيا، ويعلن تفاؤله من إمكانية تطوير علاقات تعاون شخصية مع الرئيس الروسي بوتين. فضلًا عن مطالبته الدول الأوروبية بزيادة مساهماتها في مؤسسة الدفاع الأطلنطي الجماعي، وذلك رغم تكرار إشارته إلى هامشية دور هذه المؤسسة، وكذلك مطالبته الدول الخليجية بدفع كُلفة أعباء الحماية الأمريكية لأمنها، وذلك رغم أنها تقوم بتعويض هذه الكُلفة عبر نشاطات أخرى مختلفة من شأنها تعزيز المصالح الأمريكية. وهو الأمر الذي زاد من شكوك هذه الدول، وأضعف من ثقتها في إمكان استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة في الدفاع عن أمنها، خاصة في ضوء تذبذب السياسات الأمريكية الحالية، مما دفع هذه الدول إلى البحث عن مسارات جديدة لتنويع علاقاتها وتكثيف تعاونها مع شراكاتها الإقليمية، وانفتاحها على دول أخرى، وتوسيع دائرة التعاون معها لتشمل المجالات الاقتصادية والعسكرية ومحاربة الإرهاب، وذلك في نفس الوقت الذي تحرص فيه على الإبقاء على علاقاتها الوثيقة بالولايات المتحدة لعلمها بصعوبة تعويض تحالفاتها معها - مصلحيًا ودفاعيًا وسياسيًا وأمنيًا – بأية تحالفات خارجية أخرى.

    ومن هنا، فقد تابعت هذه الدول باهتمام بالغ التفاعلات التي تشهدها الساحة الأمريكية في الفترة الأخيرة، لا سيما بعد تعيين مجموعة من المستشارين السياسيين والعسكريين المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة في فريق الرئيس ترامب. بحيث لم تعد هذه الدول تخفي ارتياحها لما لاحظته من تغير في عدد من مواقفه وآرائه، وتراجعه عن بعض توجهاته السابقة، سواء بالنسبة لحرصه على إظهار رغبته في الحد من الاندفاع تجاه روسيا، أو في مقارباته مع الدول الأوروبية لاسترضائها بمناسبة تصريحاته وتوجهاته السلبية تجاهها، أو في إظهار حرصه على الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع الدول العربية والإسلامية، أو في تجاهله لوعوده الانتخابية بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، هذا فضلًا عن استمرار بلاده في اتخاذ خط سياسي وإعلامي متشدد ضد إيران، وكذلك في إظهار اهتمامه بإحياء جهود السلام في منطقة الشرق الأوسط، وهي أمور عكستها – في مجموعها – التطورات التالية:

    أولًا: الضربة الأمريكية لمطار الشعيرات في سوريا ردًا على استخدامها للأسلحة الكيميائية ضد الشعب السوري، والتي لقيت تأييدًا داخليًا وأوروبيًا وعربيًا واسعًا، على المستويين السياسي والشعبي، باعتبارها تمثل نقطة النهاية لمرحلة السياسة الأمريكية المنكفئة والمترددة، وتمثل رسالة أولى إلى روسيا مفادها أنها لم تعد اللاعب الوحيد على الساحة السورية، وأنه يصعب إجراء أي تقارب مجاني بين ترامب وبوتين دون أن يكون هناك تطورات إيجابية تستوجبه، كما أنها توجه رسالة ثانية إلى إيران لتحذيرها من جدية الولايات المتحدة في الوقوف أمام محاولاتها التوسعية في المنطقة، وإثبات محدودية تأثيرها على المشهد السوري إذا ما قررت أمريكا التحرك على ساحته، فضلًا عن توجيه رسالة ثالثة للنظام السوري بأنه لن يفلت من العقاب كلما حاول اللجوء إلى استعمال أسلحة محرمة دوليًا ضد شعبه.

    ثانيًا: قيام ترامب بجولة في منطقة الشرق الأوسط تشمل كلًا من السعودية وإسرائيل والأراضي الفلسطينية، تتوجها قمة ثنائية سعودية أمريكية، وقمة تشاورية خليجية أمريكية، وقمة عربية / إسلامية / أمريكية، ثم اجتماع أمريكي / إسرائيلي واجتماع فلسطيني / أمريكي. وهو الأمر الذي يمثل تطورًا سياسيًا هامًا في موقف الرئيس ترامب تجاه قضايا المنطقة يلقى ترحيبًا لدى الدول الخليجية، والسلطة الفلسطينية، وإسرائيل، ويثير – في المقابل – مخاوف إيرانية من تبعاته. وذلك قبل أن يتوجه ترامب إلى بروكسل لحضور اجتماعات حلف شمال الأطلنطي، ثم إلى صقلية للمشاركة في اجتماع مجموعة الدول السبع الصناعية وذلك في تحرك يشكل افتراقًا عن توجهاته السابقة في هذا الشأن.

    ثالثًا: إصرار ترامب على متابعة الخط الأمريكي بدعم أكراد سوريا، وذلك عبر تزويد وحدات "حماية الشعب الكردي" بأسلحة وعتاد عسكري، يجري تسليمهم في أقرب وقت، لمساعدتها في معركة الرقة ضد داعش. وهو الأمر الذي أثار غضب أردوغان، لاعتباره أن هذه الوحدات إرهابية، ولرغبته في منعها من المشاركة في تحرير الرقة، وإن كان قد أبدى انضباطًا في تعليقه حول هذا الموضوع أثناء زيارته لواشنطن، لتقديره بحرصها على الحفاظ على علاقتها الوثيقة بتركيا. وعملها على ترضيته عبر الاعتراف بدورها ومصالحها في المنطقة، فضلًا عن رغبته في الحصول على مكاسب اقتصادية أمريكية تعوض إغلاق أوروبا لأبوابها في وجهه.

    رابعًا: تراجع ترامب عن موقفه الناقد للصين، واتهامه السابق لها بتوسيع نفوذها عن طريق التجارة وبقرصنة الاقتصاد الأمريكي، فضلًا عن تحميلها مسئولية مساعدة كوريا الشمالية في تطوير برنامجها النووي، ودعمها في التهرب من العقوبات الدولية عليها. إلا أنه بعد قيام رئيس جمهورية الصين بزيارة إلى الولايات المتحدة ولقائه بالرئيس ترامب، فقد أسقط الأخير اتهاماته السابقة ضد الصين بعد أن اكتشف توافر عنصر "الكيمياء" بينهما، بل وطلب منه دعم جهوده في تطويع النظام الكوري في بيونج يانج، وإقناعه بقبول التخلي عن برنامجه النووي مقابل إبرام اتفاقية سلام تضمن لبلاده حزمة من المساعدات الاقتصادية والدعم المالي والتجاري من الولايات المتحدة ودول الغرب وكوريا الجنوبية.

    وإذا كان الرئيس الأمريكي قد راكم رصيدًا داخليًا كبيرًا نتيجة الغارة الصاروخية على سوريا، حيث استطاع أن يقدم نفسه للأمريكيين والأوروبيين وبقية دول العالم في صورة مختلفة عن سلفه، وأثبت لهم أنه لا يتردد – عند الضرورة – في أن يقرن كلمته بالفعل، إلا أن الملاحظ أنه تصرَّف بحكمة وحرص باختياره موقع الضربة بعيدًا عن المدنيين، وإبلاغه الروس بموعدها قبل وقوعها، وطمأنته لهم على مداها كإجراء عقابي عارض ولا يمثل خطة لإسقاط الأسد .. وهو الأمر الذي أوضح أن ترامب يريد تجنُّب الدخول في حرب مفتوحة في سوريا، أو اتخاذ موقف المواجهة مع روسيا. بما يُغلِّب الاعتقاد بأن الضربة كانت تُعتبر بمثابة وسيلة لتحريك الأمور. وأن إرهاصاتها قد بدأت تظهر بالفعل بعد فترة وجيزة حين أسفرت عن خطة روسية بإقامة أربع مناطق تهدئة في سوريا وافقت عليها كل من تركيا وإيران. وهي الخطة التي حملها وزير الخارجية الروسي – مع موضوعات أخرى – إلى واشنطن لتتضمنها المحادثات التي تمت بين الطرفين على مستوى الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته. ويبدو أنها لقت ارتياحًا لدى الجانب الأمريكي الذي طالب موسكو – في المقابل – بكبح جماح الأسد وإيران "ووكلائها" في المنطقة، مع الاتفاق على مواصلة العمل بينهما ضمن صيغة الأستانة.

    وهكذا يتبين أن ما يسمى "بظاهرة ترامب"، تمثل – في مجموعها – محصلة لأفكار "شخصية"، وتوجهات شعبوية شاردة وغير ناضجة سياسيًا، كما تطرح أسلوبًا في الحكم والإدارة يعتمد على التلقائية والعفوية أكثر من اعتماده على التجربة والخبرة السياسية، وهو الأمر الذي تعكسه الدلائل التالية:

    أولاً: تفضيل ترامب التحرك في المشكلات التي تواجهه "بالقطعة"، عبر التعامل "الشخصي" مع كل مشكلة على حدة بشكل منفرد، تبعًا لمكوناتها وظروفها وعلاقاته بأطرافها، والتعامل معها من خلال الاعتماد على الحدس، بما يعكس غياب خط ناظم أو رؤية استراتيجية تؤطِّر طرق تقاربه مع هذه المشكلات، أو تحدد أهداف ومسارات سياساته.

    ثانيًا: أن تصرفات ترامب في هذا الشأن تعكس موقفه الرافض لتقاليد المؤسسة الأمريكية في حكم البلاد، عبر التقيد باستراتيجيات ثابتة وطويلة الأمد، ولا تتغير بتغير الأشخاص. وذلك في تناقض صارخ مع أسلوبه "الشخصي" في الحكم، واعتقاده أن هذه التقاليد تُقيِّد من حريته في اتخاذ القرارات المناسبة، وتُحِد من قدرته على التفكير المستقل والحركة الحرة، وتعرقل من رغبته في خلخلة أسس هذا النظام المؤسسي الذي يضر – من وجهة نظره – بمقدرات البلاد.

    ثالثًا: أنه بالرغم من رغبة ترامب في الحفاظ على مصداقيته، واحترام وعوده الانتخابية، وإظهار نفسه في صورة القادر على اتخاذ القرار ووضعه موضع التنفيذ، إلا أن الشاهد، بعكس ما هو معروف عنه من عفوية وتسرع ورعونة في بعض الأحيان، حرصه على التصرف بمسئولية عند التعامل مع المشكلات الحساسة، وذلك عبر التحرك في مساحات مضمونة العواقب، وبأساليب مأمونة الجانب. وذلك تجنبًا لوضع نفسه في موقف يصعب احتواؤه، أو فتح جبهات جديدة لسياساته لا يريد التورط فيها.

    لذلك فقد واجهت أفكار ترامب التي كان قد طرحها في حملته الانتخابية عقبات عديدة، وتسببت في وقوع أزمات داخلية وخارجية عند وضعها موضع التنفيذ، وتطبيقها على أرض الواقع، وذلك كما يظهر فيما يلي:

    أولاً: أن اتجاهات ترامب المتفائلة حول آفاق علاقته ببوتين، لم تستطع أن تحلق طويلاً في ضوء اكتشافه عمق المشاكل وتضارب المصالح بين البلدين، وخاصة بعد ما تسرب عن تدخل روسي في الانتخابات الأمريكية لدعم ترشيحه، الأمر الذي اضطره لاتخاذ قرارات بإقالة بعض كبار المسئولين في فريقه الرئاسي، وأسفر عن تجاذبات سياسية وإعلامية تسببت في حالة من عدم الاستقرار الداخلي، الأمر الذي يضطره إلى تخفيف اندفاعه نحو روسيا، وتخفيض توقعاته من علاقاته بها. وذلك بعد أن بينت له الأحداث صعوبة إسقاط علاقة الود بينه وبين بوتين على العلاقات والمصالح بين الدولتين في ضوء واقع الجغرافيا السياسية الدولية التي تحكم هذه العلاقات والمصالح من موقعين مختلفين ومتنافسين.

    ثانيًا: اكتشاف ترامب ضعف قدرته على تطويع موقف كوريا الشمالية، وقلة فعالية اعتماده على الصين في هذا الشأن، وذلك في ضوء رغبة النظام الكوري الشمالي في تجنُّب التوصل لاتفاق سلام في شبه الجزيرة الكورية في الوقت الحاضر، وتركيز خطته على شراء الوقت عبر الدخول في مفاوضات طويلة الأمد، وغير محددة المدة وليس لها أفق منظور، وذلك هدفًا لرفع العقوبات عن البلاد، وإضفاء شرعية دولية على النظام، والتهرب من إجراءات التفتيش على برنامجه النووي، وسحب القوات الأمريكية من أراضي كوريا الجنوبية. وقد أدرك ترامب أن تصريحاته النارية، وتحركاته العسكرية البحرية لا تخيف النظام الكوري ولا تردعه عن الاستمرار في تطوير تجاربه الصاروخية. الأمر الذي اضطره إلى قصر ردود فعله على فرض عقوبات دولية عليه من خلال الأمم المتحدة، ودفعه إلى الإعلان - في خطوة مفاجئة - عن استعداده لعقد لقاء مع رئيس كوريا الشمالية عندما تسمح الظروف.

    أما بالنسبة لتحركات ترامب في المنطقة التي لقيت ترحيبًا واسعًا وحفاوة بالغة من الدول التي قام بزيارتها، فقد حققت إنجازات ملموسة في إعادة علاقة الشراكة الاستراتيجية الأمريكية السعودية، وما نتج عنها من صفقات تجارية واستثمارية واقتصادية وتسليحية بمبالغ طائلة تعزز من موقع ترامب الرئاسي في مواجهة أزماته الداخلية الخانقة التي تحاصره. وذلك في مقابل تعهده بحماية أمن دول الخليج، واحتواء نشاطات إيران التوسعية، فضلًا عن إقامة تحالف واسع بين الدول العربية والإسلامية تتولى – بنفسها – مواجهة التطرف، ومحاربة الإرهاب، بدعم أمريكي.

    إلا أن الواضح أن الزيارة قد أوضحت – من ناحية أخرى – افتقاد إدارة ترامب لرؤية استراتيجية لسياساتها في المنطقة بصفة عامة، ولتصور واقعي لأهداف الزيارة وسبل تنفيذها بصورة خاصة، ويتضح ذلك من الأفكار المبسطة التي طرحت أثناءها حول إقامة تحالف سني بين الدول العربية والإسلامية – باصطفاف إسرائيلي غير معلن – يستهدف عزل إيران، وإحلالها محل إسرائيل كعدو رئيسي للعرب. وهو ما يفتح الآفاق أمام احتمالات تسوية القضية الفلسطينية من خلال مقاربة إقليمية ذات خطوات جزئية يتم التعامل مع كل منها بشكل منفصل وتدريجي وصولاً إلى ما يسمى بصفقة القرن.

    إلا أن المعتقد أن مثل هذه الأفكار - غير محددة الملامح – وإن كانت تمثل أسلوب ترامب في عقد الصفقات، فإن الشاهد أنها لن تحلق بعيدًا في مواجهة مشاكل المنطقة  المعقدة وذلك للأسباب التالية:

    أولًا: صعوبة جمع الدول العربية والإسلامية حول موقف مشترك تجاه الإرهاب، في ضوء عجزها عن الاتفاق على تعريفه، وحساسيتها من الحلول "الطائفية"، ورفض بعضها اتخاذ موقف العداء من إيران، فضلًا عن عدم ثقتها في فعالية العمل الجماعي بصفة عامة.

    ثانيًا: أن الضغط على إيران وعزلها عن قضايا المنطقة، قد يواجه عقبات سياسية وعملية في ضوء استشراء نفوذها على ساحة المنطقة، وتشعبه في بعض دولها، وتجذره في قضاياها الأساسية، بحيث أصبحت تمثل واقعًا فاعلًا يصعب استبعاده من أية جهود لتسوية مشاكلها، أو لمحاربة الإرهاب على ساحتها، أو للتوصل لأية ترتيبات أمنية في منطقة الخليج بدونها.

    ثالثًا: أن أية مقاربة لتسوية المشكلة الفلسطينية لا بد وأن تتضمن في النهائية الاتفاق على انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة، وأن تحدد بشكل واضح وضع مدينة القدس في التسوية، وهي أمور ترفضها إسرائيل من حيث المبدأ، خاصة في ضوء شعورها بالاطمئنان وسط الأوضاع العربية الحالية القلقة، ورغبتها في تثبيت هذه الأوضاع وليس حلحلتها، سيما مع تقديرها بانتماء ترامب إلى تيار شعبوي مؤيد لمواقفها ومتفهم لأهدافها.

    رابعًا: أن الخلط بين مساري السعي لتحقيق تسوية سلمية للقضية الفلسطينية، وبين مواجهة النشاط الإيراني في المنطقة، من شأنه أن يخلق روابط مفتعلة وأوضاعًا وهمية، وأن يتيح الفرصة لتقديم مبادرات ومقترحات تُصعِب من تحقيق تقدم في أي من المسارين. خاصة وأن إسرائيل تعمل على استغلال الخطاب الإيراني الدعائي ضدها لأغراض لا علاقة لها بفلسطين، كي تتفادى التوصل معهم إلى تسوية، وتهرب من الاستجابة للمبادرة العربية. كما أن موقف إيران العدائي تجاه إسرائيل يتخذ من الفلسطينيين ذريعة لتوسعها في المنطقة. ولذلك فإن تداخل المسارين من شأنه أن يصب في مصلحة كل من هذين الطرفين وليس الدول العربية.

    ولا يبقَ بعد ذلك إلا الإشارة إلى صعوبة تقييم تجربة ترامب في الحكم خلال هذه الفترة القصيرة، خاصة في ضوء تقلبات المشهد السياسي الداخلي الأمريكي الناتجة في معظمها عن تهور تصرفاته، وانفلات تصريحاته من جهة، وسرعة التغيرات التي تشهدها الساحة العالمية من جهة أخرى، فضلًا عما أثبتته التطورات من أن جرأة ترامب في اتخاذ قرارات سريعة ومنفردة وغير متوقعة على المستوى الداخلي، لا يدانيها إلا قدرته على التراجع السريع في علاقاته الخارجية عن مواقف سبق أن أعلن التمسك بها. ومن هنا كانت فرادة وغرابة تقييم السياسي المحنك كيسنجر لأداء ترامب بأنه يمثل ظاهرة سياسية، ويمكن أن يكون أحد أهم الرؤساء الأمريكيين، لأنه يطرح العديد من الأسئلة غير المعتادة، في وقت يعاني فيه الواقع الأمريكي من فراغ سياسي جزئي، وتظهر المفارقة في هذا التقييم ليس فقط في غموض الأسباب التي استند إليها، وإنما أيضًا في تأكيده على أن السياسة الخارجية الأمريكية ستعتمد في الفترة القادمة على "الغريزة" أكثر من اعتمادها على "النظرية".

     



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter