كلمة رئيس التحرير

 

تأثيرات الأحداث الراهنة على المفاهيم والقيم السائدة في علاقات القوى بالمنطقة

 

                                         سعيــــد رفعــــت 

   رئيـس تحـريـر مجلـة شـؤون عـربيـة                                 

 

 الأحداث المضطربة والمتصاعدة التي تموج بها المنطقة، لم تعد تنحصر في تطوراتها العسكرية، أو تقلباتها السياسية، أو تداعياتها الجغرافية والديموجرافية، وإنما أيضًا فيما أصبحت تستدعيه من توجهات وأفكار ملتبسة، تنبع من تأثيرات الأحداث الجارية على أوضاع المجتمعات العربية، أو من طموحات قومية قديمة كانت تفرضها خيارات قرون ماضية.

وإذا كان التقدير أن قمة هذه الأحداث – من حيث الأهمية والتأثير – تتركز فيما تعرض له تنظيم داعش من ضربات أدت إلى إضعاف قدراته، وتشتت عناصره، وانسحاب قواته من المدن السورية والعراقية. فإن الشاهد أن هذه التطورات تتم على هامش الجهود والتحركات التي تجري على ساحة المنطقة، وتستهدف إقامة ائتلاف بين القوى المناهضة للسياسة الأمريكية، وخاصة في الظروف الراهنة التي يُنتظر أن تَجري فيها، عبر حوارات ثنائية ومفاوضات جماعية، إعادة ترتيب الأوضاع في سوريا بعد نهاية المعارك مع داعش. ولعل ما زاد من تعقد الظروف التي تمر بها المنطقة هو تزامنها مع ظهور توجهات معبرة عن آمال قومية وعرقية في إقامة دول مستقلة عن الدولة المركزية التي كانت تنتمي إليها، وقيامها بمحاولة فرض هذا الاتجاه على أرض الواقع. وهو ما أدى إلى ردود أفعال دولية وإقليمية وعربية رافضة لهذا التوجه، وعاكسة لعدم استعداد المجتمع الدولي لإجراء تغييرات جذرية في الخرائط والمعادلات السياسية خاصة في الظروف الحساسة الراهنة. ومن هنا كان غض النظر الدولي عن التحرك العسكري العراقي للسيطرة على بعض المناطق المتنازع عليها مع حكومة كردستان، وكذلك على قيام الحكومة الإسبانية بإلغاء نتيجة الاستفتاء على الاستقلال في كاتالونيا وفرض حكم مباشر عليها، وتحديد موعد لإجراء انتخابات لاختيار قيادة جديدة للإقليم.

ولعل أهم ما يستلفت النظر في هذا الشأن هو المواقف الدولية والإقليمية تجاه هذه التطورات، والتي اتسمت في بعضها بالتوافق، وفي أغلبها بالتباين والاختلاف. ولا يرجع ذلك فقط إلى العلاقات المتشابكة والمصالح المتنافسة بين الدولتين الكبيرتين على التواجد والنفوذ وترتيب الأوضاع وأشكال التسوية في المنطقة، وإنما أيضًا إلى اختلاف نظرتيهما إلى العلاقات مع الدول الإقليمية غير العربية، وإلى تقدير وتأطير دورهم على ساحتها.

وإذا كانت الأحداث المتوالية التي تعرضت لها المنطقة، والوقائع المتلاحقة التي استهدفت التأثير في قضاياها الساخنة، قد هزت المجتمعات العربية من الأعماق، وألقت بظلالها الكثيفة على وحدة أراضي بعض دولها، وعلى أمن واستقرار جموع مواطنيها، وفرضت تواجدًا دوليًا وإقليميًا – له مصالح وأهداف خاصة – على أراضيها. وهو الأمر الذي ترك جروحًا غائرة، ورضوضًا عميقة في وعي مجتمعاتها، بحيث تعمقت فيها معتقدات قديمة، ومفاهيم انبثقت من الماضي، وكان التصور أنها توارت واختفت من العقل السياسي العربي. وتتمثل أهم هذه المعتقدات في تصاعد سردية «المظلومية» في الوعي العربي، وتَلَبُّس صورة الضحية التي ترى نفسها وترى العالم وتتعامل معهما وفق هذه الصورة. وهو اتجاه ذهني ليس جديدًا على العقل العربي، ولكن توسَّع مفهومه وتنوعت تصنيفاته، وتباينت تطبيقاته في الفترة الأخيرة نتيجة الرغبة الجماعية في التنصل من مسئولية الأحداث العنيفة التي مرت بها المنطقة، والتطورات السلبية التي تشهدها دولها، ومحاولة تعليق كافة المشاكل والإخفاقات على قوى خارجية، واستبعاد أية مسئولية داخلية عنها. وهو أمر يعكس شعورًا دفينًا بالعجز وقلة الحيلة وضعف الإرادة، ويولِّد – في نفس الوقت – رغبة عارمة في الاستقالة من جهود التخطيط والعمل والمشاركة والاشتباك في قضايا المنطقة، فضلاً عن أنه يتيح الفرصة للتهرب من هذه المسئوليات ويجعلها سهلة ومغرية ومبررة.

وإذا كان ما سبق لا يعني تبرئة القوى الكبرى من مسئولية ممارساتها التقسيمية لبعض دول المنطقة إبان فترة الحكم الاستعماري وما بعدها، إلا أن ذلك لا يعني – من ناحية أخرى – القبول بصحة المقولة بوجود أنماط ثابتة ومستقرة ومستمرة في الفكر السياسي الغربي يرى مصلحة في تقسيم وتفتيت الدول العربية بغض النظر عن اختلاف الأزمنة، وتغير الظروف، وتعاقب التجارب. خاصة وأن تكرار هذه المقولة، وتلبيسها على كافة الحالات مهما اختلف ظروفها، وتباينت مشكلاتها، وتنوعت حمولاتها الداخلية، قد فرضتها كقاعدة راسخة في بنية التفكير العربي.

ورغم تعدد الأمثلة على محاولات العقل العربي تعليق المسئولية عن مشكلاته واستحقاقاته في عنق القوى الخارجية، فإن أهم الدلالات القريبة في هذا الاتجاه تظهر في ردود الأفعال العربية على محاولة إقليم كردستان الانفصال عن العراق، وذلك بإلقاء التهمة الجاهزة على الدول الغربية باعتبارهم المسئولين عن تقسيم وتفتيت دول المنطقة العربية، والمشجعين لأية محاولات تصب في هذا الاتجاه، وهو الأمر الذي ظهر زيفه في الموقف الأوروبي الأمريكي المشترك والرافض بحسم، ربما أكثر من بعض المواقف العربية، لفكرة الانفصال الكردي عن الدولة المركزية العراقية، بالرغم من العلاقات الطيبة التي تربطهم بإقليم كردستان، وهو ما دل بوضوح على ما كان معروفًا منذ عقود، وخاصة في الأوساط السياسية والأكاديمية، من أن النظام العالمي ليس مستعدًا لاستيعاب تحولات جذرية في الخرائط والمعادلات على الساحة العالمية، وبشكل خاص على خريطة الشرق الأوسط. وذلك بعكس الأسطورة التي تتحكم في العقل العربي المؤمن – بطبيعته – بالتنصل من مسئولياته وتبرير إخفاقاته بمنطق المؤامرة الخارجية عليه.

هذا فضلاً عما أسفرت عنه الأحداث والتطورات التي لحقت بالمنطقة من تغير في القيم، وخلط في المفاهيم التي تقوم عليها الدولة، حول مبدأ السيادة، والخط الفاصل بين دعم الدولة والتدخل في شئونها الداخلية، ودور المنظمات غير الدولاتية على ساحتها، وسيولة الحدود الفاصلة بينها، والتدخل في نزاعاتها وأمورها الداخلية بمعزل عن آليات الشرعية الدولية، فإن الشاهد أن ذلك يرجع أساسًا إلى تفكك الدول التي كانت مؤثرة في الإقليم في حروب أهلية بدأت بثورات، وانتهت بقتال عبثي تعيش على وقائعه قوات نظامية وميليشيات عسكرية تنتمي معظمها إلى دول وتنظيمات خارجية.

وقد نتج عن هذه الأوضاع أن سالت قوات دول إقليمية على حدود دول عربية مجاورة، وقامت باحتلال بعض مناطقها، كما نجحت قوات وميليشيات دول إقليمية طائفية في اختراق هذه الحدود، وعمدت إلى السيطرة على حيز واسع من أراضي البلاد، فضلاً عن تواجد قوات لفصائل إرهابية مختلفة أصبحت تتحرك على الأرض العربية وتقيم عليها سيادات وكيانات ولو بصفة مؤقتة، هذا إضافة إلى القوات النظامية للدول الكبرى والتي أصبحت تتمتع بحقوق المشاركة المتساوية في السيادة على أراضي الدول المعنية. وهو ما شجع – في مجموعه – إسرائيل بدورها على استباحة أراضي هذه الدول، عبر القيام بغارات عسكرية عليها دون إبداء مبررات تغطي بها هذه الاعتداءات التي تعكس رغبتها في ضرب أية نشاطات خاصة بنقل عتاد إلى حزب الله، فضلاً عن تثبيت موقعها كطرف مشارك ومؤثر سواء في التطورات الجارية في المنطقة، أو في التسويات التي قد تتم لاحقًا على ساحتها.

والشاهد أن اختراق بعض هذه الدول العربية قد بلغ حدودًا تنبئ بأن العلاقة بين نظام وآخر داعم له أصبح يتعدى النمط الذي عرفته مؤازرة دولة لأخرى حليفة لها. إذ يبدو أنهم أصبحوا شركاء في السيادة الفعلية على البلاد. كما أن تدخل دول في صراع أو نزاع خاص بدول أخرى لم يعد ينتظر تصديقًا أو قرارًا من مجلس الأمن. هذا فضلاً عما لوحظ من أن التدخل الخارجي في الأنسجة الداخلية لنظم الدول قد أصبح يشغل مساحات كانت تعتبر إلى سنوات خلت وطنية ومحفوظة لسيادة هذه الدول كالانتخابات، أو الاستفتاء العام، التي أصبحت جميعها عُرضة لتدخلات خارجية قد تؤثر في نتائجها لصالح الدول والقوات المتدخلة.

وبالرغم من أن المد الداعشي قد انحسر على مستويات العمليات العسكرية في المنطقة، نتيجة الضربات التي لحقت بقواته في كل من سوريا والعراق، وأدت إلى انسحابه من مدنهما. وهو الأمر الذي لقي رد فعل عنيف من جانب هذه التنظيمات الإرهابية عبر تكثيف عملياتها من خلال ما يسمى «بالذئاب المنفردة» في المدن الأوروبية والأمريكية وصحراء سيناء. إلا أن المعتقد أن ظاهرة داعش لن تحدد نهايتها المعارك الأخيرة، ولن تحسم مصيرها الهزائم التي لحقت بقواتها في الفترة القريبة الماضية. ويرجع ذلك إلى أن قيادات التنظيم لا تقطن المدن، بل توجه نشاطاتها من المناطق الصحراوية الممتدة بين سوريا والعراق. فضلاً عن انتشار قواته المنسحبة، بعضها إلى هذه المناطق الصحراوية للالتحاق بقياداتها، والبعض الآخر إلى ليبيا وسوريا وبعض الدول الأفريقية، وهو الأمر الذي يحمل في طياته احتمالات استمراره في القيام بعملياته وتوجيهها عبر فروع مختلفة من أماكن أخرى، كما يحمل إمكانيات استئناف جهوده في تجنيد العناصر الأجنبية من مناطق تمركزه الجديدة. هذا فضلاً عن فائض القوة الذي يمكن أن يستمده من اعتبارين آخرين:

أولهما: الجماعات السُّنية في الدول التي تشهد صراعات ساخنة، والتي تعتبر الأضعف تأثيرًا في الأحداث التي تقع فيها، إذ أنهم يعانون من مشاعر الظلم والتهميش رغم أنهم يمثلون الجماعة الأكبر والأوسع في المنطقة. وذلك بسبب تجاهل دورهم، وإقصائهم عن المشاركة الفاعلة في حكم البلاد، وخاصة مع خسارتهم للثقل الكردي في معادلة السلطة، واستبعادهم – ما أمكن – عن المشاركة في المعارك مع داعش في ضوء التوجس من احتمالات تعاطفهم مع تنظيم الدولة الإسلامية. وذلك في مقابل السماح بنشاط الميليشيات الشيعية، واحتسابها – دون السُّنة – على الانتصارات الأخيرة على هذا التنظيم. ومن هنا يتصاعد الخوف من قيام بعض عناصر هذه الجماعات السُّنية المهمشة إلى التماهي مع المنهزم عسكريًا، بل واحتمال تحرك بعضهم في اتجاه تشكيل تنظيمات أكثر تطرفًا لملء الفراغ الناجم عن هزائم داعش.

ثانيهما: أن التعامل مع تنظيم داعش باعتباره جسمًا غريبًا عن المجتمعات العربية سقط على السكان من خارجهم ينطوي على هرب من الحقيقة. ذلك أن هذا التنظيم الذي تَلَبَّس المدن واحتل القرى والبداوي، ونجح في استقطاب أعداد هائلة من سكان الدول العربية بل والأجنبية، لا بد وأن يمثل استجابة من نوع ما لآمال عناصر لاقته في منتصف الطريق، وتعاني من مشاعر القمع والتهميش وافتقاد الهدف، ويصعب الانتصار الكامل عليها بمعركة عسكرية هنا أو هناك. إذ أن مثل هذا الانتصار لا ينصب على التنظيم وحده، وإنما يصيب مصير أهل وجماعة وعشائر تنتمي إلى الدول «المنتصرة» وتدخل في نسيج تركيبتها السكانية، ويمكن أن تتولد منها عناصر جديدة في تشكيلات أكثر تطرفًا، إذا ما استمرت تعاني من نفس الظروف.

أما بالنسبة للموضوع الذي احتل قائمة اهتمامات دول المنطقة والمجتمع الدولي، وهو الخاص بالاستفتاء الذي أجراه إقليم كردستان للاستقلال عن العراق. فإن الواضح أن المطلب الكردي يقف وراءه في هذا الشأن خليط من الأسباب السياسية، والطموحات القومية العاطفية، وتتمثل جميعها في تصاعد مشاعر خيبة الأمل لدى الأكراد في تحقيق حكم وطني ديموقراطي مدني في العراق، يحترم خصوصيات وحقوق كل مكوناتها. خاصة بعد تولي مقاليد الحكم في بغداد حكومة طائفية غلب عليها الاتجاه المذهبي، حيث هيمنت الأحزاب الطائفية على المراكز الحساسة بالدولة، وجرى التصعيد ضد الأكراد بإبعادهم عن قيادة الجيش والوزارات السيادية، كما جرى تجنُّب حل قضية المناطق الخلافية وفقًا للجدول الزمني المتفق عليه. وذلك بالرغم مما شهدته البلاد في هذا الوقت من معارك عسكرية في مواجهة داعش، قامت فيها قوات البشمرجة الكردية بدور إيجابي رفع من رصيدها في التقييم الأمريكي، مما زاد في الاعتماد عليها كقوة فاعلة ومشاركة في التحالف الدولي ضد الإرهاب.

هذا فضلاً عن الطابع المعولم الذي أخذته قضية الأقليات على المستوى الدولي، خاصة بعد ما جرى في إقليم كتالونيا الإسباني، والذي عكس شعورًا عاطفيًا متناميًا بيقظة الهويات الوطنية والمذهبية، ورفعها إلى مصاف عصبية قومية كامنة تُصنَّف كملاذ جامع وآمن ينتظر التحقق الفوري بشكل أو آخر.

ومن هنا تتضح الصورة التي ارتسمت أمام القيادة الكردية والتي دفعتها – ربما بتفكير متسرع وتقدير يتسم بقصر النظر – إلى غض الطرف عن الحساسية المفرطة لدول الجوار الإقليمي التي تتوجس من تداعيات هذا التطور على مجتمعاتها الكردية، وأدت بهذه القيادة إلى تجاهل الاعتبارات الحاسمة التالية:

أولاً: توقيت إثارة المشكلة وإجراء الاستفتاء مع انشغال الأمريكيين بمشكلات خطيرة ليس أقلها الأزمة الناشبة مع كوريا الشمالية والحرب على داعش، في وقت لم تحدد فيه السياسة الأمريكية بعد رؤيتها في المنطقة، فضلاً عن حاجة الولايات المتحدة الماسة إلى استعمال قوات البشمركة إلى جانب قوات النظام العراقي والحشد الشعبي في مواجهة قوات تنظيم الدولة الإسلامية، بالإضافة إلى حاجتها إلى الكتلة البرلمانية الكردية في البرلمان العراقي الجديد في الربيع المقبل بهدف تجديد ولاية العبادي في مواجهة زعيم دولة القانون.

ثانيًا: إن انفصال كردستان، بهذا الأسلوب العشوائي، قد يحقق مكاسب هامة لإيران في حسابات الصراع المحتدم في المنطقة كلها، وليس في العراق فحسب، إذ أن من شأنه إطلاق الميليشيات الشيعية لكي تُمكِّن طهران من تعزيز قبضتها على السلطة، وقد تلحق ضررًا ببعض القوى الشيعية التي سعت في الفترة الأخيرة إلى فتح قنوات مع المحيط العربي من أجل الحد من هيمنة طهران. هذا فضلاً عن إضعاف الجماعات السُّنية في العراق بعد خسارتهم للثقل الكردي في المعادلة المذهبية للسلطة والحكم المركزي.

ثالثاً: أن تطورات الانفصال الكردي قد وضعت تركيا في موقف حرج بين رفضها القاطع لإقامة دولة كردية قد ترفع من طموحات مجتمعها الكردي الذي يمثل أكبر هذه التجمعات في المنطقة، وتُصعِّد من آمالها في إجراء مماثل. وبين احتمالات خسارة علاقتها التاريخية ببرزاني الذي ساندها في مواجهة حزب العمال الكردستاني ووفر لها منصة للانخراط السياسي والعسكري والاقتصادي في كل شئون العراق.

رابعًا: أنه في ضوء علاقات كردستان المتصاعدة بإسرائيل، وباعتبار أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي ساندت عملية استقلال كردستان وانفصالها عن العراق، فإن البعض يتوجس من أن إجراء المزيد من الضغط على الإقليم وإشعارهم أن الاستفتاء قد أسفر في النهاية عن تغيير القيادة، وانكماش ساحة الإقليم، وخسارته لمعابر هامة كانت تفيده في إمدادات البترول قد يدفع الأكراد إلى أحضان الدولة العبرية على أساس التقدير بقدرتها على التأثير في القرار الأمريكي، وهو تطور يلقى ترحيبًا كبيرًا من إسرائيل لأسباب سياسية واقتصادية واستراتيجية.

وعمومًا، فقد أدى التحرك العسكري العراقي السلس والذي شاركت فيه قوات الحشد الشعبي إلى جانب قوات الحكومة المركزية – إلى السيطرة على مدينة كركوك ومنابعها النفطية وكذلك على المعابر المطلة على الحدود السورية والتركية، أسفرت عن تصاعد الانقسامات والشروخ في الصف الكردي بما يعرض الإقليم لمزيد من التوتر والانقسام، كما أدى إلى الدخول في مباحثات بين الطرفين العراقي والكردي يأمل الوسيط الأمريكي فيها بأن يتم الاتفاق على إدارة المعابر وبعض المناطق المتنازع عليها في شكل مشترك بين بغداد وأربيل. وقد جاء حكم المحكمة الاتحادية العليا برفض نتائج الانفصال- وإعلان الإقليم احترامه لهذا الحكم - ليمثل نقطة النهاية لطموحات الأكراد في هذا الشأن.

وإذا كانت التطورات التي تشهدها المنطقة قد عكست قدر التعقيدات التي تعاني منها العلاقات بين الدولتين الكبيرتين وحجم التجاذبات بين مواقفهما سواء بالنسبة لقضايا المنطقة، أو لدور القوى الإقليمية غير العربية على ساحتها، فإن الواضح أن مسار السياسة الأمريكية أصبح يتجه أساسًا إلى التركيز على محاربة داعش، ومواجهة إيران عبر مساندة دول الخليج، وقوى الشرعية في اليمن، وتكثيف الضغط على إيران من خلال المطالبة بمراجعة الاتفاق النووي معها بما يحقق احتواء طموحاتها في التوسع، وحصار نفوذها في الإقليم، وكذلك التوجه الأمريكي الأخير لمهادنة تركيا في مواجهة التعاون الروسي الإيراني. إلا أن الشاهد أن ذلك كان يتم – في مجموعه – في سياق يتسم بشعور عربي وإقليمي عام بتراجع الاهتمام الأمريكي بالمنطقة. وذلك في مقابل سياسة روسية حازمة وواضحة في دعم النظام السوري، والسيطرة على الأوضاع فيها من خلال القواعد الروسية الجوية والبحرية على أراضيها، والتعاون «المحكوم» مع إيران على ساحتها، فضلاً عن تشجيعها لإقامة ائتلاف روسي / إيراني / تركي / سوري يغطي التعاون في مجالات محددة. رغم أنه يفتقد – بطبيعته – لعنصر الثبات والاستمرار في ضوء التناقضات العميقة بين سياسات ومصالح الدول المشاركة فيه، ليس فقط بسبب الحساسيات التاريخية، والتجاذبات الإقليمية بينها، وإنما أيضًا لاختلاف انتماءاتها الأيديولوجية، وتحالفاتها السياسية والعسكرية. وهو الأمر الذي يميز موقع روسيا في هذا التآلف باعتبارها مصدر تماسكه وحلقة الوصل المؤثرة بين أطرافه، مما يجعلها مركز الثِقَل الأساسي – عسكريًا وسياسيًا – في منطقة المشرق العربي.

وإذا كان الشاهد غلبة الاتجاه في مؤسسة الحكم الأمريكية لاتخاذ موقف متشدد من السياسة الروسية، باعتبار أنها تمثل تهديدًا لوحدة الزعامة الأمريكية على الساحة العالمية، وللتضامن الأوروبي الأمريكي، ولنفوذ ومكانة الولايات المتحدة في مناطق أخرى ومن أهمها منطقة الشرق الأوسط. فقد ظهرت انعكاساته السريعة في التصعيد الأمريكي بفرض عقوبات جديدة على روسيا، وبدفع التحقيق الدائر في واشنطن حول التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية، فضلاً عن موقفها ضد النظام السوري في ملف الأسلحة الكيميائية، واستصدار تشريعات من الكونجرس تتضمن عقوبات ضد إيران وحزب الله، وهي تطورات تنقل، في مجموعها، المواجهة بين واشنطن وموسكو من إطارها السوري الضيق إلى إطار عالمي أوسع. إلا أن الواضح – رغم كل هذه المعطيات – أن الطرفين يتعاملان معًا على أساس وجود مصلحة واحدة مشتركة لا يمكن تجاوزها أو التغاضي عنها، وهي قاعدة إيقاف التصعيد عندما يلامس حدود المواجهة بينهما، خاصة مع اشتراكهما في شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة حول قضايا العربية الساخنة ودور القوى الإقليمية غير العربية فيها، الأمر الذي يدفعهما إلى التوافق حول وضع سقف سياسي وأمني لا يصل بهما إلى حد القطيعة، ولا يمس بشكل مباشر مصالحهما الاستراتيجية، ولا يحول دون التعاون بينهما في المسائل المتفق عليها. خاصة مع التقدير الغالب بتقارب مواقفهما حول بعض القضايا سواء المتصلة بدفع الجهود في طريق التوصل إلى تسوية سلمية للمشكلة السورية، أو تلك المتعلقة برغبتهما المشتركة في تهدئة الأوضاع في المنطقة.

ومع ذلك، فقد جاءت التطورات الأخيرة في لبنان، والتي تعتبر إحدى تجليات المواجهة بالوكالة بين القوى المتنافسة على الساحة، لتضيف عبئًا جديدًا على العلاقات المُركَّبة بين الدولتين الكبيرتين. وذلك من واقع تحالفاتهما المتباينة مع القوى المتنافسة والداعمة لأطراف المعادلة اللبنانية، خاصة في ضوء اختلال التركيبة الداخلية اللبنانية، وارتباطاتها السياسية والأيديولوجية الخارجية، وعلاقاتها المتداخلة بالأوضاع في سوريا، وتداعياتها المحتملة على أمن المنطقة، الأمر الذي يوضح، في مجموعه، صعوبة تحقيق تسوية للأزمة على الساحة اللبنانية الداخلية دون توافر صيغة تجمع بين توافق إقليمي عربي ومباركة دولية



مشاركة هذا المقال

طباعة تحميل إرسل لصديق Facebook Twitter